بينما كنت أنوي كتابة هذا المقال تذكرت مقولة شهيرة لمخترع المسدس صموئيل كولت قالها بعد اختراعه: «الآن تساوى الشجاع مع الجبان». كان ذلك عام 1835. لم يكن هذا الاختراع وليد لحظة بل سبقته بوادر واضحة منذ الصغر. بدأ كولت في سن الحادية عشرة بقراءة كتاب «مختصر المعرفة» لروبرت فولتون مخترع السفينة البخارية، وطُرد من المدرسة في السادسة عشرة بعد أن أشعل ناراً أثناء تجربة خلية جلفانية احتفالاً بعيد الاستقلال. وبعد سنوات من التحديات، اخترع المسدس وأسس شركة كولت للأسلحة النارية عام 1855.
ومثلما غيّر المسدس قواعد القتال جاء الذكاء الاصطناعي ليغيّر قواعد الكتابة.
فجأة ظهر كُتاب وكاتبات في يوم وليلة لم نرَ لهم سابق بوادر أو أعراض لمهارة الكتابة. لم نرهم يطوفون المكتبات ولا يقضون الليالي في البحث عن الأفكار ولا ينتظرون وحي القريحة ولا يمسكون بالقلم والدفتر يوماً. لم يُذكروا على المنصات ولم تظهر لهم تجارب سابقة ثم أصبحوا فجأة مؤلفين ومؤلفات!
لم أكن متسرعاً في حكمي حتى رأيت أمراً مخيفاً. شخص كان يكتب لي على الواتساب بأخطاء إملائية فجة تحول إلى «كاتب نحرير» لا يُشق له غبار يجيد السجع والوزن أفضل من مقامات الحريري يكتب اليوم تحليلاً رياضياً وغداً يتحدث عن البطالة وكأنه خبير في كل فن.
وفي مساء من المساءات هاتفتني سيدة فرحة مستبشرة مستلقية على سريرها تطلب مني أن أبارك لها إصدار كتابها وأن أعلن عن حفل توقيعه في المعرض القريب وأن أستنفر «خيلي ورجلي» وأصدقائي في الصحف والمجلات والفضائيات للترويج له. سألتها بدهشة: «منذ متى وأنتِ كاتبة يا سيدتي؟ أعرفك منذ فترة ولم ألحظ عليك أي بوادر للكتابة ولم تحدثيني يوماً عن غادة و غسان أو بلقيس ونزار ولا مي و جبران؟»
فأجابتني بكل ثقة: «الله يرضى على الذكاء الاصطناعي ألّف لي الكتاب كاملاً!». وأضافت أنها فقط تابعت بعض الأمور وحذفت ما أرادت. فأسقط في يدي وقلت لها بعد صمت: «مبارك عليكِ وأسأل الله لكِ التوفيق».
في تلك اللحظة قلت لنفسي: «الآن تساوى الكاتب الحقيقي مع المستكتب كما قال صموئيل كولت: الآن فقط استوى الشجاع والجبان».
أحمل للجميع الحب والخير، لكنني أشعر بقيمة المعرفة الحقيقية وأرى في هذا الانتشار السهل هدراً لهذه القيمة.
عندما يقرأ لي أحدهم يقول: «أجد أحمد عزير بين السطور». وكذلك عندما أقرأ للأدميرال العامري أو إبراهيم زولي أو حسين معافا أو علي مكي أو علي سعد الموسى أو مشعل السديري أو عائض الأحمد أو جعفر عباس أشعر أن أرواحهم ممدودة بين أحرفهم .
هذه ليست مجرد أسطر ومحبرة بل ذكريات ومشاعر وتجارب نثرتها أرواحهم.
الجمعة 21 ذي القعدة 1447 هـ
