العدالة حين تقترب من الناس.. تولد جمعية تصنع الأثر بقلم / عبدالله بن محمد البلوشي

رئيس مجلس إدارة جمعية ميزان القانونية

حين يُذكر العمل الخيري، يتبادر إلى الذهن إطعام جائع، أو كفالة يتيم، أو علاج مريض، وهي صور عظيمة من صور الإحسان. لكن هناك وجهاً آخر من أوجه الخير لا يقل أثراً، وهو أن تُعيد إلى إنسان حقه، أو تمنع عنه ظلماً، أو تبصره بنظام يحفظ كرامته، أو تدله على الطريق الصحيح قبل أن يقع في نزاع يكلّفه عمره وماله واستقراره.

من هذا الإيمان، وُلدت جمعية ميزان القانونية.

لم تكن فكرة الجمعية مجرد إنشاء كيان قانوني جديد، بل جاءت استجابةً لحاجة مجتمعية حقيقية لمسناها من خلال سنوات طويلة في ميدان المحاماة والعمل القانوني؛ حيث رأينا أن كثيراً من الحقوق لا تضيع بسبب ضعف الأنظمة، وإنما بسبب ضعف الوعي بها، وأن كثيراً من النزاعات كان يمكن تجنبها لو وجد أصحابها من يوجههم التوجيه الصحيح في الوقت المناسب.

لقد آمنت الجمعية منذ تأسيسها بأن نشر الثقافة القانونية ليس ترفاً معرفياً، بل ضرورة تنموية تسهم في بناء مجتمع أكثر وعياً واستقراراً، وأن تمكين الإنسان من معرفة حقه وواجبه هو أول الطريق إلى العدالة.

ومن هذا المنطلق، جعلت الجمعية رسالتها أن تكون جسراً يصل بين القانون والمجتمع، وأن تقدم المعرفة القانونية بلغة واضحة، وخدمات نوعية، ومبادرات مجتمعية، وشراكات فاعلة، تسهم في ترسيخ قيم العدالة، وتعزيز الثقة في المنظومة العدلية، وتمكين المستفيدين من الوصول إلى حقوقهم بالوسائل النظامية.

ولعل ما يميز جمعية ميزان القانونية أنها لم تُبنَ على جهود فردية، وإنما قامت على نخبة من أصحاب الخبرة والكفاءة، يجمعهم الإيمان برسالة واحدة، ويعملون بروح الفريق الواحد، واضعين مصلحة المجتمع فوق كل اعتبار. ويشرفني أن أعمل مع مجلس إدارة يضم خبرات قانونية وإدارية ومجتمعية متميزة، يؤمن أعضاؤه بأن النجاح الحقيقي لا يقاس بعدد البرامج، بل بمقدار الأثر الذي تتركه تلك البرامج في حياة الناس.

ولقد بدأ هذا الأثر يظهر منذ خطوات الجمعية الأولى؛ فقد كان من أوائل ما تشرفت الجمعية بالعمل عليه استقبال مستفيدة ظلت حقوقها معلقة سنوات طويلة، حتى يسّر الله تقديم الدعم القانوني لها، لتصل معاملتها إلى مراحلها النهائية لدى الجهات المختصة، في صورة تجسد حقيقة الرسالة التي تحملها الجمعية، وهي أن العدالة لا ينبغي أن تبقى بعيدة عن أصحاب الحقوق.

إن المجتمع اليوم بحاجة ماسة إلى العمل القانوني الخيري، تماماً كما يحتاج إلى بقية صور العمل الإنساني؛ فالقانون حين يصل إلى الناس، يحفظ الأسرة، ويصون المال، ويحمي الحقوق، ويحد من النزاعات، ويعزز الاستقرار، ويخفف من معاناة كثير من الفئات التي لا تملك القدرة على الوصول إلى المعلومة القانونية أو الاستشارة المتخصصة.

ولهذا فإننا في جمعية ميزان القانونية ننظر إلى العمل القانوني بوصفه رسالة مجتمعية قبل أن يكون ممارسة مهنية، ونؤمن بأن العدالة مسؤولية مشتركة، وأن نشر الوعي القانوني استثمار طويل الأمد في أمن المجتمع واستقراره وتنميته.

وختاماً، فإن هذه الجمعية ليست ملكاً لأعضائها أو مجلس إدارتها، وإنما هي مشروع مجتمعي مفتوح لكل من يؤمن برسالة العدالة، ويرغب في أن يكون شريكاً في نشر الوعي القانوني، وتمكين أصحاب الحقوق، وصناعة أثر يبقى بعد أن تمضي الأعمار.

ونسأل الله أن يبارك الجهود، وأن يجعل جمعية ميزان القانونية نموذجاً وطنياً رائداً في خدمة المجتمع، وأن يوفقها لتحقيق رسالتها في بناء مجتمع أكثر وعياً، وعدلاً، واستقراراً.

زر الذهاب إلى الأعلى