تربية وطن وضيوف الرحمن بقلم اميره القحطاني

اعتدنا في المملكة العربية السعودية على مشهد يتكرر في كل بيت؛ أبٌ يوصي أبناءه بإكرام الضيف، وأمٌ تعتبر حسن الاستقبال انعكاسًا للأصل والتربية، وأطفالٌ يتسابقون لتقديم القهوة والماء قبل أن يُطلب منهم ذلك. لم تكن الضيافة لدينا تصنعها المناسبات، بل كانت جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية، حتى أصبح الكرم لغة يتحدث بها السعوديون بالفطرة.

كبرنا ونحن نرى أن قيمة الإنسان لا تُقاس بما يملك فقط، بل بما يمنحه للآخرين من احترام واحتواء ودفء شعور. لذلك لم يكن غريبًا أن تتحول الضيافة في هذا الوطن إلى هوية راسخة تتوارثها الأجيال بمحبة وفخر، حتى باتت جزءًا من ملامح الشخصية السعودية التي يعرفها العالم ويشعر بها كل من يزور هذه الأرض.

ومع مرور الوقت أدرك العالم بأسره أن الأمر أعمق من مجرد عادة اجتماعية جميلة، بل صفة مرتبطة برسالة عظيمة تحملها هذه البلاد منذ تأسيسها؛ فالمملكة العربية السعودية ليست وطنًا عاديًا، بل الأرض التي تستقبل ملايين الحجاج والمعتمرين من مختلف شعوب العالم الإسلامي كل عام. ومن هنا تشكلت شخصية الإنسان السعودي؛ إنسان يرى في خدمة الضيف شرفًا، وفي راحته مسؤولية، وفي حسن استقباله عبادةً وقيمة وطنية وإنسانية.

ونرى انعكاس هذه التربية في كل تفاصيل الدولة، في وزرائنا ووزاراتنا، وفي حجم الاستنفار الذي يسبق موسم الحج كل عام. نشاهد وطنًا كاملًا يتحرك بقلب واحد، يقوده حكام لا يعرفون النوم ولا الراحة حتى يطمئنوا على أدق التفاصيل المتعلقة براحة ضيوف الرحمن وسلامتهم. وهنا نحن لا نتحدث عن أثر يُقاس بالأرقام، بل عن أثر يلامس القلوب، ويترك في ذاكرة كل حاج شعورًا لا يمكن وصفه بسهولة.

مشهد يجعلنا ندرك أن ما يحدث ليس مجرد تنظيم لموسم سنوي، بل قصة حب عظيمة بين وطنٍ اختاره الله لخدمة بيته، وشعبٍ تربى على أن خدمة الحاج شرف لا يضاهيه شرف.

لهذا تبدو مشاهد العطاء في الحج صادقة وعفوية، لأنها ليست أفعالًا مؤقتة، بل امتدادًا طبيعيًا لتربية بدأت منذ الطفولة. تربية وطن زرع في أبنائه أن الكرم أسلوب حياة، وأن استقبال الضيف مسؤولية أخلاقية وإنسانية قبل أن يكون واجبًا اجتماعيًا.

وربما لهذا السبب يبقى أثر السعودية مختلفًا في قلوب من يزورها؛ لأن الناس هنا لا يفتحون أبوابهم للضيوف فقط، بل يفتحون لهم قلوبهم أيضًا.

بقلم / اميره القحطاني
@Amira_q2030

زر الذهاب إلى الأعلى