في قلب المنطقة الشرقية، تظل عادات المعايدة في الأحساء نموذجًا حيًا للترابط الاجتماعي والمحافظة على التراث العائلي. هذا ما أكده باحثان محليان في مقابلتين منفصلتين: الدكتور يوسف الجبر والصيدلي أحمد الملحم. يجمع الاثنان على أن المعايدة ليست مجرد زيارات عابرة، بل هي ممارسة اجتماعية أصيلة تهدف إلى إشاعة الفرح وتعزيز صلة الرحم، وتتطور مع الزمن دون أن تفقد جوهرها.
المعايدة قديمًا وحديثًا: من المسيرات إلى المجالس المنظمة
يصف الدكتور يوسف الجبر عادات المعايدة بأنها «ممارسات اجتماعية أصيلة ومبادرات تواصل نبيلة تهدف لإشاعة الفرح ونشر الأنس». في الماضي كانت مسيرات بالأقدام بسبب تقارب البيوت، أما اليوم فتحمل المركبات المعايدين وأشواقهم. ويضيف أن الأحساء تتميز عن غيرها بامتداد فعاليات العيد لثلاثة أيام مع جدولة دقيقة للزيارات وإشراك الشباب.
أما الصيدلي أحمد الملحم فيؤكد أن الأحساء «محافظة على تقاليد الآباء والأجداد» وأن الترابط بين أهلها أقوى من كثير من المناطق الأخرى. ويشير إلى أن الزيارات العائلية لا تقتصر على أيام العيد بل تمتد طوال العام صباحًا وعصرًا ومساءً، مما يعكس استمرارية التواصل.
طقوس أول يوم العيد وترتيب الزيارات
يبدأ اليوم الأول عند أسر الأحساء بـ«خير عمل» كما يقول الدكتور يوسف: أداء صلاة العيد وحضور خطبتها، ثم السلام على ولي الأمر في الإمارة، زيارة الأقارب، استقبال المعايدين في مجلس الأسرة، وأخيرًا وجبة الغداء الجماعية. أما الصيدلي أحمد فيضيف تفصيلاً عمليًا: ارتداء الملابس الجديدة، الاعتناء بالأطفال، وأداء الصلاة مع كل أفراد الأسرة.
ويُجمع الاثنان على أن أول المعايدة تكون للوالدين، ثم الأعمام والأخوال والعمات والخالات، مع الأولوية للأقرب نسبًا والأكبر سنًا. وتستمر العبارات التقليدية: «عيدكم مبارك»، «تقبل الله منا ومنكم»، «كل عام وأنتم بخير»، و«عساكم من عواده».
الضيافة والمأكولات: هوية القهوة والتمر
تظل القهوة العربية والتمر ركيزة كل مجلس معايدة لأنهما «جاهزان للتقديم ولا يستغرقان وقتًا طويلاً»، كما يوضح الدكتور يوسف، مما يسمح بزيارة أكبر عدد من المنازل. ويُقدم إلى جانبهما المعمول والممروس والملتوت أو الفاكهة في القرى، وحايب الخلفات في الهجر.
ويؤكد الصيدلي أحمد أن الضيافة متماثلة بين المدن والهجر والقرى، وأن أهم وجبتين هما الإفطار بعد صلاة العيد مع الأسرة، ثم الغداء مع كبير العائلة.
التغيرات بين الجيل القديم والحديث
يصف الدكتور يوسف معايدات الآباء والأجداد بأنها كانت «في أبهى صور الود واللطف والاحترام دون تكلف». أما اليوم فزادت الأعداد وزاد الاستعداد للضيافة، لكن العادات باقية برونقها بفضل الرخاء الذي أنعم به الوطن.
ويرى الصيدلي أحمد أن الأجيال الحالية «تسير على عادات الأجداد» ويطالبها بالاستمرار، مع الإشارة إلى أن وسائل التواصل لم تؤثر سلبًا بل ساهمت في تنسيق الزيارات وإعلان أوقات افتتاح المجالس.
دور العيد في صلة الرحم والفرح الجماعي
يُعد العيد «مناخًا ربيعيًا للتواصل وطي صفحة الخلافات»، حسب الدكتور يوسف، حيث تجتمع الأسر كلها ويلتقي المتخاصمون. كما تنظم بعض العائلات تجمعات كبيرة في الاستراحات أو الصالات، وتُخصص فعاليات ومسابقات للأطفال.
ويؤكد الصيدلي أحمد أن هذا التلاقي يُعد «أكبر صلة رحم» وفرصة للقاء الأصدقاء والزملاء، وأن بعض الأسر في المبرز والهفوف تتبادل الزيارات بين العيدين (الفطر والأضحى).
ذكريات جميلة ورسالة للأجيال القادمة
يستذكر الدكتور يوسف مصليات العيد القديمة حيث كان الناس يصلون على التراب، ثم يهنئون بعضهم ويتبادلون الحديث تحت رايات الفرح. أما الصيدلي أحمد فيحمل ذكرى الذهاب مع والديه رحمهما الله لمعايدة الأقارب وكبار السن.
ويتمنى الدكتور يوسف استمرار «عدم التكلف في الضيافة وتزيين الطرق»، بينما يطالب الصيدلي أحمد بالحفاظ على «العهد القديم الجميل» مع التكيف مع عصر التكنولوجيا.
الرسالة المشتركة للأجيال القادمة: «البعد عن العزلة والعالم الافتراضي، والحضور الفعلي مع الأقارب والجيران والأصدقاء». فهوية المعايدة الأحسائية تُحفظ بالوفاء للواجب العائلي والمشاركة في المجالس، مهما تطورت الحياة.
بهذه الروح يبقى عيد الأحساء رمزًا للبهجة والترابط، يتوارثه الأبناء عن الآباء، ويُجددونه كل عام بمزيد من الود والمحبة.
