استنفار سعودي شامل لاستيعاب مليوني مصلٍ في ليلة ختم القرآن بالحرم المكي

مكة – صالحه آل بيهان القحطاني

في ليلةٍ ليست كسائر الليالي، أتجهت أنظار المسلمين إلى المسجد الحرام حيث أُختِتِمت رحلة شهرٍ كامل من الصيام والقيام، في مشهدٍ إيماني مهيب تتداخل فيه الدموع بالدعوات، والرجاء بخشوع القلوب. إنها ليلة ختم القرآن في العشر الأواخر من رمضان، حيث تبلغ الروح ذروتها، وتبلغ الجهود التنظيمية في المملكة العربية السعودية أقصى درجاتها.

في هذه الليلة، لا يُترك شيء للصدفة. تستعد المملكة بفتح 80 بوابة ضمن التوسعة السعودية الثالثة، في خطوة تعكس رؤية تنظيمية دقيقة تستوعب ما يقارب مليوني مصلٍ في وقتٍ متقارب، يتدفقون من كل حدبٍ وصوب نحو قبلة الإسلام. إنها إدارة حشود تُدرّس، ونموذج عالمي في التعامل مع الكثافة البشرية في أضيق المساحات وأقدسها.

التوسعة السعودية الثالثة ليست مجرد امتداد عمراني، بل هي منظومة متكاملة من الخدمات والتقنيات. 120 مصلى موزعة بعناية لتسهيل حركة المصلين، وأكثر من 450 سلمًا ومصعدًا كهربائيًا لتيسير التنقل بين 6 أدوار، في تناغمٍ هندسي يراعي كبار السن وذوي الاحتياجات الخاصة، الذين يشكلون نسبة كبيرة من الحضور في هذه الليالي المباركة.

أما الجانب البيئي والخدمي، فقد سُخّرت له إمكانات ضخمة؛ إذ يعمل نظام التبريد بطاقة تصل إلى 90 ألف طن لمواجهة حرارة الأجواء، بينما تنتشر 25 ألف سجادة لاستقبال المصلين، و17 ألف حافظة لماء زمزم تروي عطش الأجساد قبل الأرواح. وفي التفاصيل التي قد لا تُرى، يقف خلف المشهد أكثر من 11 ألف دورة مياه ومواضئ، تمثل جزءًا من منظومة راحة شاملة تضمن انسيابية التجربة التعبدية.

ولا يغيب عن هذا المشهد البُعد التقني؛ حيث يعمل نظام صوتي متطور يضم أكثر من 1300 سماعة على إيصال صوت التلاوة إلى كل زاوية، في حين يدير النظام الأمني الذكي حركة الحشود بدقة عالية، مستفيدًا من تقنيات الذكاء الاصطناعي في التفويج والمراقبة، بما يحقق أعلى درجات السلامة.

وفي مشهدٍ يعكس الجاهزية الشاملة، تتوفر مهابط للطائرات المروحية للحالات الطارئة، في تأكيد على أن الإنسان – صحته وسلامته – هو محور كل هذه الجهود.

هذه الليلة ليست مجرد حدثٍ ديني، بل هي قصة وطنٍ سخر إمكاناته لخدمة ضيوف الرحمن، بقيادةٍ تضع راحة الإنسان وكرامته في مقدمة أولوياتها. إنها صورة مشرقة من صور العطاء السعودي، حيث تتكامل الجهود بين مختلف القطاعات الحكومية والخاصة، لتقديم تجربة إيمانية آمنة، ميسّرة، وعامرة بالسكينة.

وفي قلب هذا الزحام، يبقى المشهد الأجمل: دعاءٌ صادق، ودمعةٌ خاشعة، وقلبٌ معلق بالسماء… وكأن كل هذه الإمكانات العظيمة لم تُسخّر إلا لتُهيّئ لحظة لقاءٍ خالصة بين العبد وربه.

هكذا تُكتب ليلة ختم القرآن في الحرم المكي… ليس بالحبر، بل بالخشوع، وبجهودٍ تُدار بصمت، لتبقى قدسية المكان محفوظة، وتجربة الإيمان مكتملة .

زر الذهاب إلى الأعلى