هناك حِرف لا تُقاس قيمتها بسرعة إنجازها، ولا بعدد القطع التي تنتجها، بل بما تحتاجه من مهارة وصبر ودقة، وبما تحمله كل قطعة من أثر اليد التي صنعتها. حِرفٌ لا تزال تحافظ على حضورها، رغم اختلاف أنماط الإنتاج وتغير ذائقة المستهلك.
ومن بين التجارب التي تستحق أن نتوقف عندها في مكة المكرمة، يبرز استديو «زوالي» للصناعة اليدوية للمجوهرات والمعادن والمشغولات الحرفية؛ تجربة مختلفة تحاول أن تمنح الحرفة اليدوية مساحة تستحقها، وأن تجعل من التدريب والإنتاج بوابةً لاستمرار هذا الفن وتطوره.
ولاسم «زوالي» حكاية لا تقل جمالًا عن منتجاته؛ فهو مشتق من «الزولية»، وهي السجاد، في إشارة إلى ارتباط الاستديو بالنسيج، وتميّزه بصناعة المجوهرات اليدوية المطعّمة بالنسيج، في صياغة تجمع بين خامات مختلفة وتمنح القطعة هوية خاصة.
والاهتمام بالحرف اليدوية في المملكة لم يعد مجرد احتفاء بالماضي، بل أصبح جزءًا من الحراك الثقافي والاقتصادي الذي تشهده المملكة. وقد جاء تخصيص عام 2025 عامًا للحرف اليدوية ليؤكد قيمة هذا القطاع وأهمية الحرفيين والحرفيات، وما تمثله الحرفة من جانب ثقافي واقتصادي وإبداعي.
كما يمثل «بنان» الأسبوع السعودي الدولي للحرف اليدوية إحدى الفعاليات التي تترجم هذا الاهتمام إلى مساحة عملية؛ إذ تسعى هيئة التراث من خلاله إلى تسليط الضوء على الحرف والصناعات اليدوية، وإتاحة الفرصة للحرفيين لعرض منتجاتهم وبيعها وتقديم عروض حية لصناعة الحرفة أمام الزوار.
وإذا كان هذا الاهتمام بالحرف اليدوية حاضرًا على المستوى الوطني، فربما يكون من المشروع أن نسأل: ماذا عن الحرف اليدوية في مكة المكرمة؟
ماذا عن المراكز التي تعمل على تدريب الحرفيات، وتطوير مهاراتهن، وإتاحة المجال أمام طالبات الجامعات لخوض تجربة عملية في هذا المجال؟ وهل تصل هذه التجارب إلى الجمهور والفرص التي تساعدها على الاستمرار والنمو؟
هنا يأتي «زوالي». ففي الاستديو لا تقتصر الحكاية على صناعة المجوهرات أو المشغولات اليدوية، بل تمتد إلى الورش التي تقام بإشراف مدربات حرفيات، وإلى التدريب التعاوني الذي تستفيد منه طالبات الجامعات، في تجربة تجمع بين التعليم والممارسة والإنتاج.
وتقود هذه التجربة مديرة الاستديو، المدربة الأستاذة سمية الغامدي، التي تعمل على دعم الحرفيات وتطوير مهاراتهن، وتحويل المعرفة الحرفية إلى ممارسة حقيقية يتعلم من خلالها المتدربون تفاصيل المهنة وأدواتها وأساليبها.
ومع ذلك، لا يزال «زوالي» بحاجة إلى حضور وانتشار أكبر يتناسبان مع طبيعة ما يقدمه؛ فالحرفة اليدوية تحتاج إلى وقت وجهد ومهارة، والقطعة الواحدة قد تمر بمراحل متعددة قبل أن تصل إلى صورتها النهائية.
وهنا لا أتحدث عن «زوالي» وحده، بل عن سؤال أوسع: هل تحتاج الحرف اليدوية في مكة إلى منظومة دعم وتسويق وتمكين أكثر حضورًا؟
فوجود المبادرات الوطنية والفعاليات المتخصصة يؤكد أن الحرفة أصبحت جزءًا من المشهد الثقافي والاقتصادي، لكن التحدي الحقيقي يبقى في إيصال هذا الاهتمام إلى المراكز والحرفيين في مختلف المناطق، ومنحهم فرصًا مستدامة للتدريب والإنتاج والتسويق والوصول إلى الجمهور.
ومكة، بما لها من مكانة ثقافية وتاريخية، جديرة بأن تكون حاضنةً لمثل هذه التجارب، وأن يجد الحرفيون فيها منصات تتيح لهم تقديم منتجاتهم وتعريف الزوار بها، خصوصًا عندما تكون الحرفة قادرة على الجمع بين الموروث والتصميم المعاصر.
«زوالي» لا يحتاج فقط إلى أن نشتري منه قطعة؛ نحتاج إلى أن نرى القصة التي تقف خلف القطعة.
قصة مدربة تنقل خبرتها، وحرفية تصنع بيديها، وطالبة جامعية تتعلم مهارة جديدة، وقطعة تجمع بين المعدن والنسيج، وتجربة تحاول أن تثبت أن الحرفة اليدوية قادرة على أن تكون جزءًا من حاضرنا ومستقبلنا، لا أن تبقى مجرد ذكرى من الماضي.
فبعض الحرف لا ينقصها الإبداع، ولا أصحاب الأيدي الماهرة؛
إنما تحتاج إلى أن تصل إليها الفرصة.
وربما يكون «زوالي» واحدًا من الأماكن التي تستحق أن نلتفت إليها أكثر، لا لأنه استديو لصناعة المشغولات اليدوية فحسب، بل لأنه يحمل فكرة أوسع: أن الحرفة حين تجد من يدعمها، يمكن أن تتحول من مهارة فردية إلى صناعة، ومن منتج إلى هوية.























