ميثاق النزاهة الشامل ..لماذا لا نُقسم جميعاً؟

صالحه آل بيهان القحطاني

تتوالى لحظات التخرج، فنشهدُ طقساً يبعث على الطمأنينة ، أطباءٌ يرفعون أصواتهم بقَسَمٍ يغلفُ براءتهم المهنية بهالةٍ من القداسة.

يصفقُ الحضورُ إجلالاً لهذا العهد، بينما يقف بقية الخريجين من غيرِ الأطباء في مقاعدهم، يرقبون المشهدَ بذهولٍ صامت، وكأن الأخلاقَ المهنية امتيازٌ حصريٌّ لمهنةِ التطبيب، وليست ضرورةً حياتيةً لكل من يلمسُ حياة الناس.

هذا التخصيص للميثاق الأخلاقي في مجالٍ دون غيره ليس مجرد عرفٍ تقاليدي، بل هو “فجوةٌ أخلاقية” تشرعنُ في اللاوعي الجمعي فكرة أن النزاهة في المهن الأخرى أمرٌ قابل للتفاوض، أو ترفٌ اختياريٌّ لا يستوجبُ العهد.

أليس الأثرُ هو المقياس؟

إنّ خطأ الطبيب قد يودي بحياة إنسان، لكنَّ انهيار مبنى بسبب إهمال مهندسٍ قد يبتلعُ عائلاتٍ بأكملها. إنّ فسادَ إداريٍّ أو تضليل إعلاميٍّ قد يعبثُ بمصير أمةٍ بأكملها، ويُشيعُ العدمية في مفاصل المجتمع.

لذا، فإن غياب الالتزام الأخلاقي المعلن عن هذه التخصصات لا يُعدُّ نقصاً في الإجراءات فحسب، بل هو “تخلٍّ” عن خط الدفاع الأول الذي يحمي المجتمعات من التآكل.

إنَّ دعوتنا اليوم ليست تقليلاً من شأن القَسَم الطبي، بل هي نداءٌ لتوسيع مظلته. لماذا لا نُحوّل لحظة التخرج من “حفلٍ للشهادات” إلى “لحظةٍ للميثاق”؟

نحن بحاجة إلى ميثاقٍ أخلاقيٍّ وطنيٍّ جامع، يرفعهُ كل خريجٍ مهما كان تخصصه، ليعلنَ فيه أمام الله والمجتمع أن شهادته ليست أداةً للرزق فحسب، بل هي “صكُّ أمانة”.

قَسَمٌ يربطُ الإتقان بالدين، والنزاهة بالهوية، ويجعلُ من الموظفِ، والمهندسِ، والكاتبِ، والمخططِ حارساً للحقوق، وخصماً للفساد.

إنَّ استمرار التمييز في إعلانِ الالتزام هو اختزالٌ للقيم في “قوالب مهنية”، بينما هي في الحقيقة “روحٌ شاملة” يجب أن تسري في كل تفاصيلنا.

لقد حان الوقت لندرك أنَّ كلُّ يدٍ تمتدُّ لتُنجز، هي يدٌ مسؤولةٌ أمام المجتمع، وأنَّ كل مهنةٍ هي قَسَمٌ خفيٌّ، فمتى نجعلهُ علنياً لنحميَ حلمنا المشترك؟

زر الذهاب إلى الأعلى