الجوف – دينا الخالدي
يُعدّ الأستاذ صالح البليهد أحد النماذج البارزة التي صنعتها مسيرة التعليم والتنمية في منطقة الجوف، حيث تحوّلت بداياته البسيطة إلى قصة نجاح ملهمة، بفضل الإصرار والدعم الأسري والإيمان العميق بأهمية العلم.
بدأ البليهد تعليمه في الكتّاب على يد خطيب المسجد، حيث تعلّم القراءة والكتابة في سن مبكرة. ويستذكر تلك المرحلة قائلًا:
«أنا مُدان بهذا الفضل لأخي الشيخ حمود البليهد، فلولاه – بعد الله – لما تعلّمت القراءة والكتابة، فقد كان يأخذني إلى الكتّاب رغم عدم رغبتي، إذ كنت أحب ملاعبة طير صغير اصطدته، وكنت أفضّله على الالتزام بالتعليم، فقد كنت أحب اللعب ولا رغبة لدي في الدراسة».
بعد إتقانه للقراءة والكتابة، التحق بمدرسة حكومية وتمكّن خلالها من حفظ القرآن الكريم وتعلّم العلوم الأساسية. ثم واصل طلب العلم الشرعي على يد الشيخ فيصل المبارك رحمه الله، حيث درس القرآن والفرائض واللغة العربية ، وأتمّ حفظ القرآن الكريم كاملًا وهو في الثالثة عشرة من عمره، وهي محطة مهمة في تكوينه العلمي والفكري.
وفي الصف السادس، تم ترشيحه للعمل معلّمًا في مدرسة قارا بتكليف داخلي، قبل أن يصدر لاحقًا قرار رسمي من وزارة المعارف يوجّهه للعمل ويحثّه على الجد والاجتهاد، وهو القرار الذي لا يزال يحتفظ به حتى اليوم. ورغم انشغاله بالعمل، واصل دراسته ليلًا فالتحق بمعهد المعلمين الذي كان يعادل شهادة المتوسطة آنذاك.
وعلى السلم التعليمي، أنهى السنة الخامسة عام 1374هـ، والسنة السادسة عام 1378هـ، ثم حصل على التوجيهي الأدبي عام 1390هـ، مواصلًا مسيرته التعليمية رغم مسؤولياته العملية.
وخلال مسيرته المهنية، التحق بعدد من الدورات التطويرية، من بينها دورة صيفية في الطائف عام 1379–1380هـ، ودورة إدارية في الجامعة الأمريكية ببيروت لمدة شهرين، إضافة إلى دورة في معهد الإدارة عام 1407هـ.
وفي عام 1393هـ، صدر توجيه من الأمير عبدالرحمن السديري – رحمه الله – بتعيينه مندوبًا لتعليم البنات بالجوف، وكانت المندوبية آنذاك في بداياتها وتضم موظفًا واحدًا ومراسلًا فقط، وتتبع إداريًا لعرعر. ورغم قلة الإمكانات، استطاع البليهد بخبرته وإصراره أن ينهض بالعمل ويؤسس قاعدة إدارية قوية.
وتدرّج بعدها في المناصب، فعيّن مديرًا لتعليم البنات بالجوف عام 1402هـ، ثم مديرًا عامًا لتعليم البنات عام 1412هـ، ليواصل مسيرة امتدت 22 عامًا في تعليم البنات، إضافة إلى 18 عامًا في تعليم البنين، قبل أن يُحال إلى التقاعد عام 1415هـ.
وحظي البليهد بثقة أهالي المنطقة، فتم ترشيحه عضوًا في مجلس المنطقة لمدة ثماني سنوات، وعضوًا في مجلس إدارة الجمعية التعاونية، كما كُلّف بعضوية لجنة التعويضات بوصفه عضو خبرة ومن الاعضاء المؤسسين لجمعية حلقات تحفيظ القرآن بالمنطقة.
وتبقى مسيرة الأستاذ صالح البليهد شاهدًا على أن الإصرار والدعم الأسري والالتزام بالتعليم قادرون على تحويل البدايات المتواضعة إلى قصة نجاح تُروى للأجيال، ورمزًا من رموز التعليم الذين أسهموا في بناء نهضة الجوف عبر عقود من العمل والعطاء.

