دخلت الحرب الروسية الأوكرانية فعليا مرحلة حرب الاستنزاف وتعد أخطر مرحلة الصراع لأن كافة أوكرانيا أصبحت تقريبا متساوية، بدأت حرب الاستنزاف بهجوم أوكراني واسع النطاق في الشهر الماضي عبر المسيرات على منشآت الطاقة الروسية وبعض القواعد البحرية، مما تسبب في إرباك تعطل قطاع الطاقة في روسيا وفوضى في الشارع الروسي وإحراج شديد لبوتين، مما استدعى رد روسي عنيف عبر الصواريخ والمسيرات على قطاع الطاقة الأوكراني والعاصمة كييف.
في مقالات سابقة لنا قبل تولى ترامب، أجزمنا أن الحرب الأوكرانية حرب شديدة التعقيد “صفرية تقريبا” ولن تحل على الأغلب في وجود ترامب الذي وعد بإنهائها خلال 48 ساعة، لأنها لا تتعلق بأوكرانيا وحدها بل بمستقبل أوروبا وروسيا والنظام العالمي جزئياً.
واقع الأمر إن وصول الحرب إلى مرحلة الاستنزاف العنيفة التي ستتوسع خلال الأسابيع القادمة يؤشر بجلاء على وصول الطرفين وحلفائهم إلى طريق مسدود في ظل خيارات صفرية “إصرار كل طرف على مطالبه لاسيما روسيا” وعجز عن وجود بدائل سياسية وعسكرية.
أطلقت أوكرانيا “الطرف الأضعف” حرب الاستنزاف مدفوعة بتخاذل موقف إدارة ترامب من حيث المبدأ، ثم انشغالها بحرب إيران وشبه استنزافها فيها، والدعم الأوروبي الكامل، وسلاح المسيرات الخطير، وربما “صمود إيران في الحرب، مما شجع أوكرانيا على تحدى الكبار، لكنه في ذات الوقت قوى موقف روسيا“. وتتمحور رهانات أوكرانيا في: أولاً وقبل كل شي إرباك وإضعاف الجبهة الداخلية في موسكو بفضل سلاح المسيرات الذي يضرب قلب روسيا بسهولة، مما يتسبب في إحراج شديد لبوتين لا سيما من قبل الجيش، مما قد يدفعه إلى التسريع في تسوية متخلياً عن الخطوط الحمراء الأوكرانية وبالأخص ضم المقاطعات الأربع الأوكرانية، أو التصعيد العنيف المتهور بما له من عواقب شديدة الكارثية.
ثانياً، الحفاظ على الدعم الأوروبي خاصة العسكري عبر إثبات صمود أوكرانيا المدهش الذي وصل إلى حد استنزاف روسيا في المعركة، وأخيراً، ربما إجبار الولايات المتحدة والصين أيضا على الانخراط بقوة في مفاوضات تسوية متوازنة.
كان رد روسيا شديد العنف المدروس على هجمات أوكرانيا، رسالة واضحة لأوكرانيا وحلفائها بإن موسكو على وعى بأهداف ورهانات أوكرانيا الاستنزافية، وستعلب بنفس الأسلوب وربما بصورة أعنف. وفى إطار ذلك، نعتقد أن روسيا ستوسع رهاناتها لتشمل، استنزاف تام للقدرة العسكرية الأوكرانية، تدمير ممنهج للمنشآت الحيوية والمدنية الأوكرانية، إضعاف الجبهة الداخلية وتقويض شرعية زيلانسكى، التقدم بصورة أقوى وأعنف على الأرض حتى حدود كييف المنيعة، ولعل الأهم إصابة الأوروبيين بالإرهاق وخيبة الأمل، وإبعاد الجانب الأمريكي تماما عن المشهد أو تدخله السريع لتسوية لحساب روسيا.
في حسابات روسيا بوتين حرب الاستنزاف رغم آثارها السلبية على روسيا، لكن روسيا قادرة على الحسم بفضل تفوقها الشامل، بالإضافة إلى التفوق في أسلحة الاستنزاف خاصة المسيرات التي أطلقتها بكثافة في الهجوم الأخير.
في النهاية، يمكن القول، أن التاريخ يؤكد أن حرب الاستنزاف غالبا ما تكون في صالح الطرف الأضعف، إذ ربما لا تحقق أوكرانيا أي شيء من رهاناتها وتتكبد خسائر جسيمة، لكن ما هو مؤكد أنها ستكبد روسيا خسائر اقتصادية وعسكرية ومعنوية واستراتيجية كبيرة بعد قدراتها المذهلة على اختراق وتهديد العمق الروسي ومنشأته العسكرية والحيوية. وسيظل الرهان الأكبر بعد ذلك، إلى أي مدى سيستمر العناد الروسي بقيادة بوتين؟
