النجم السادس : مؤرخ التحول الاجتماعي في الجوف سيرة أ. عبدالرحمن المفرج 

سلسلة نجوم في سماء الجوف 

دينا الخالدي _ سكاكا 

“منذ أن وضع الملك عبدالعزيز – رحمه الله – أسس الدولة السعودية الحديثة، أدرك أن بناء الوطن لا يكتمل إلا ببناء ذاكرته، وأن حفظ قصص الناس وتحولات المجتمع هو جزء من مشروع النهضة نفسه. كانت رؤيته واضحة: لا مستقبل بلا تاريخ مكتوب، ولا تنمية بلا وعي بالجذور.”

“وفي الجوف، ظهرت ثمار هذه الرؤية مبكراً؛ إذ تحوّل الاهتمام بالتعليم، والكتاتيب، وتدوين الوقائع المحلية إلى حركة معرفية صنعت جيلاً من الرواة والباحثين. ومن بين هؤلاء يبرز اسم الأستاذ عبدالرحمن المفرج، أحد أبناء الجوف الذين حملوا على عاتقهم مهمة التوثيق، وجمع الذاكرة، ورسم ملامح التحوّل الاجتماعي في المنطقة.”

“كتابه رحلة التغيّر بالديّرة لم يكن مجرد عمل تأليفي، بل كان امتداداً لروح المؤسس في حفظ التاريخ، وتوثيق التحوّل، وصون الحكايات التي صنعت هوية المكان. ومن هنا، تأتي سلسلة نجوم في سماء الجوف لتسلّط الضوء على هذه النماذج المضيئة… رجالٌ كتبوا تاريخهم بأيديهم، وأسهموا في حفظ ذاكرة الجوف للأجيال القادمة.”

حياك الله أستاذ عبدالرحمن المفرج،
وشكراً لك على قبولك الدعوة للانضمام إلى سلسلة نجوم في سماء الجوف كأحد نجومها
البارزين الذين نفتخر بهم.
وشكراً لأن مداد قلمك كان بالنسبة لي اكسير الابتهاج ؛ تصويرك بالقلم فتح لي نافذة على
عالم عاش فيه أبي وجدي وجدّه… ذلك العالم الذي كان غامضا بالنسبة لنا حتى جاءت
كتاباتك لتضيئه وتعيد تشكيل ملامحه.
وشكراً جزيلاً، فكتابك رحلة التغير بالديّرة كان بمثابة خارطة طريق في بحثي عن التاريخ
الاجتماعي لمنطقة الجوف، وعن مراحل التطوير وتنفيذ رؤية الملك عبدالعزيز – رحمه الله –
في هذه الأرض العزيزة.
وبهذه المناسبة، يسعدني أن أطرح عليك مجموعة من الأسئلة التي ستأخذنا معك في رحلة
عبر الذاكرة، والنشأة، والتجربة، وصناعة هذا العمل القيّم.

أسئلة الحوار
أولاً: النشأة والبدايات
• كيف تتذكر ملامح طفولتك الأولى في الجوف؟ وما اللحظة التي تشعر أنها شكّلت وعيك
المبكر؟
• ما القيم أو العادات التي حملتها معك من بيت الأسرة وبقيت تؤثر فيك حتى اليوم؟
• عندما تعود بذاكرتك لتلك المرحلة… ما الذي كان يدهشك في الجوف الصغيرة آنذاك؟
انا الذي اشكرك على دعوتك الكريمة لتنظميني في سلسلة نجوم في سماء الجوف.
وابارك جهودك واتمنى لك المعونة والتوفيق في تحقيق مبتغاك من هذا العمل الجليل والذي لا
شك سيكون أحد المراجع في يوم من الايام.
اما عن طفولتي المبكرة فهي لاتختلف عن اولئك الاطفال في سني وهي حياة كل الاطفال الذين
عاشوا اواخر الستينيات وبدأوا السبعينيات ، بعض الفقر والحاجة التي لم يسدهما الا
تضحيات الاباء والامهات العظام بكل معنى الكلمة، والكل راض بما هو فيه حيث الجميع
متساوون في الامكانيات تقريبا بين فلاح بسيط وعامل ابسط واخر تاجر مثلهما والحال من
بعضه.
اما في ما يتعلق بالتربية المنزلية كانت تلقائية مباشرة تقوم على المحاسبة والعقاب والوعظ
المباشر وتقليد ومحاكاة لتصرفات الكبار من الأهل أو الجيران وكان للصدق والأمانة واحترام
الآخر والضيف شأن كبير وما أنا عليه اليوم من أخلاق إلا نتاج تلك التربية.
وأتذكر أن العم محمد ابن مفرج يقول في تربية الأطفال أن الحرمان من الشيء أفضل من
الضرب وذلك أنك تستطيع رفع عقوبة الحرمان بعد إيقاعها إن رغبت ولكنك لا تستطيع رفع
أثر الضرب إن وقع وذلك في مقابل ما يقوله أخيه الاكبرالعم عبدالله أنه إذا ضربت فأوجع
وإذا أطعمت فأشبع وفعلاً كلٌّ يمارس فلسفته رحم الله الجميع وأتذكر أنني ما قدمت للعم محمد
خدمة إلا وحصلت على المكافأة.
أما ما كان يدهشني فعلاً هو نقاء وصفاء الأجواء من التلوثات بأنواعها وأتذكر أنه في
صباحات الأيام الندية في فصل الربيع خاصة أسمع نداءات المحرجين بالسوق وعلى بعد
أربعة كيلومتر تقريبا وفعلاً كانت تطربني وتزيدني أمانا.ً
.
ثانيا:ً السيرة الذاتية والمسار المهني
• كيف تصف رحلتك المهنية منذ بدايتها؟ وهل كانت مخططة أم تشكلت مع التجربة؟
• من هم الأشخاص الذين تعتبرهم محطات مضيئة في مسارك؟
• لو عدت لبداياتك… ما النصيحة التي تمنحها لنفسك الأولى؟
الواقع أن الرحلة في بداياتها لم تكن بخيارات واسعة حيث دخلت معهد المعلمين الابتدائي
وكان للمكافأة المادية بريق ساحر جذب الكثير امثالي لدخول المعهد. وتخرجت ثم تعينت
مدرسا في منتصف عام 1385 ه في مدرسة اللحاوية في طبرجل ولمدة عامين تقريبا ثم
اداريا في مكتب الاشراف التعليمي بسكاكا ولمدة خمس سنوات تقريبا وفزت بمسابقة لمعهد
الإدارة بالرياض 1390 وعملت به عامين تقريبا وتركت المعهد تحت اغراء الراتب وعملت
في بنك الرياض عامين أ خر ثم فزت بمسابقة اخرى في البنك الزراعي بداية عام 1395 ه
وبقيت فيه حتى منتصف عام 1324 ه واستدعيت للعمل في إمارة منطقة الجوف حتى اواسط
عام 1433 ه وكنت قد امضيت سبعة واربعين عاما في الخدمة منها خمس سنوات تمديدا
بأمر ملكي وبطلب من سمو امير المنطقة آنذاك الامير فهد بن بدر يحفظه الله وبعد نهاية فترة
التمديد طلب سمو الامير رأيي فيما اذا كنت ارغب الاستمرار بالعمل متعاقداً على نفس
الوظيفة وبنفس المزايا ولكنني آثرت التقاعد واحترم رغبتي حفظه الله وارجو ان تتاح له
فرصة الاطلاع على حديثي هذا.
اما عن اولئك الأشخاص المضيئين في حياتي فهم كل الزملاء الذين عملوا معي حتى وان
اختلفت معهم فانا لازلت اتذكرهم واذكرهم بالخير جميعا،ً وهم اصدقاء اليوم، ولا أنكر أنني إذا
ما حققت لمعانا ونجاحا ما هو الا بفضل مؤازرتهم ومساندتهم، وما كنا الا منفذين لخطط
الدولة في خططها التنموية المتعاقبة حفظها الله. وحفظ الله الأحياء من الزملاء ورحم الأموات
منهم.
وأما إن جاز لي أن أمحض النصيحة فهي بإيجاز )اقرأ ثم اقرأ ثم اقرأ( وهي من أول ما نزل
من القرآن، من كلام وكفى.
والحياة عندي وعند غيري شريط متصل من الذكريات الجميلة وغير الجميلة تتشابك بمظهر
بانورامي يطفو ويخبو حسب الحالة المزاجية؛ وأما اللحظة التي شعرت فيها أنني أتحمل
مسؤولية المكان هي اللحظة التي اخترت فيها الارض لبنا منزلي الخاص حيث هو مستودع
حياتي حقا.ً
ثالثا:ً ذاكرة التاريخ – مواقف من الطفولة والشباب
• نود أن نسمع منك موقفا من طفولتك بقي محفوراً في الذاكرة ويختصر روح تلك المرحلة.
• أثناء تنقلك بين القرى والمواقع القديمة… هل هناك مشهد أو قصة واجهتها ولا تزال تعود
إليك كلما كتبت؟
• ما اللحظة التي شعرت فيها لأول مرة بأنك تحمل مسؤولية حفظ ذاكرة المكان؟
من المواقف المبكرة التي لم أنسها لأنها كانت قاسية في حينها وإن منحتني تجريب الوعي
واتخاذ القرار المبكر، وكنت في السنة الثالث الابتدائية وبحدود 73 – 1374 ه وبحكم ان
الاهل اصحاب دكاكين في السوق القديم فكان علينا ان نداوم عصرا في تلك المحلات على
شاكلة أطفال يساعدون ويتعلمون، وإن كان ضررهم أكثر من نفعهم ولما ان الاهل من الكتبة
وقراء القرآن ولما أن مسجد الشيخ فيصل لصيق بالسوق ولما أنه ت عقد في هذا المسجد
حلقات تحفيظ القرآن فقد جيء بنا أخي صالح وأنا إلى تلك الحلقات و عرضنا في البداية على
الشيخ راشد في حلقته غرب المسجد ولكنه لم يستقبلنا وأوصى بالذهاب إلى حلقة الشيخ
حمود ، وكل الذي أذكره أننا انخرطنا بالحلقة وهي قوس نصف الدائرة تقريبا تبدأ من يسار
الحائط الداخلي الغربي للمسجد وتنتهي إلى طرفه الأيمن و لا يزيد طوله عن 6 أمتار في
تقديري الآن . واستمرينا بعد صلاة كل عصر الانخراط في الحلقة وكان الحاضرون من فئات
عمرية مختلفة حتى أن منهم من قد اكتسى وجهه شعرا ، والشيخ حمود يستند بظهره على
الحائط في أبهى حلة متوسطا القوس ثم يبدأ الدور بمن على يمينه ويأمره بالقراءة فإذا أجازه
قال له ابتد أو انقز لما يلي السورة التي تلاها أما اذا لم تجاز القراءة فيقول ردها يعني أعد
الحفظ والتلاوة مرة أو مرات حتى تجاز. وكان هناك من يجادل الشيخ ويناقشه ممن يعرفهم
وكانوا يضحكون احيانا على امور لم استوعب أكثرها، وتمر عليّ الايام بين ) ابتد و ردها(
وخلالها تعرفت على ردهات المسجد وان هناك حلقة اخرى برعاية الشيخ اسماعيل البلال
لقراء جزء تبارك، وان حلقتنا لجزء عمّ برعاية الشيخ حمود البليهد، حتى وصلت الى سورة
اذا زلزلت وبعد كل مرة اتلوها يقول ردها ولم اكن من الذين يجرؤون على المناكفة وحتى لم
اسأله عن السبب في الإعادة ولما طال عليّ الأمد احسست اني مسجون واحسست بالظلم
والمرارة و مللت و قررت ولأول مرة اقرر بمفردي مقاطعة الحلقة والقصص، واظن اللحظة
قد شحذت وعيي واستقلاليتي وإن و لّدت في اللاشعور عندي كراهية المحفوظات فيما بعد
.واتخذت موقف تجاه الشيخ تلاشى بمرور السنين وازدياد الحكمة
رابعا:ً رحلة جمع محتوى كتاب رحلة التغير بالديّرة
• كيف بدأت فكرة الكتاب؟ وهل كانت لديك صورة واضحة عنه منذ البداية؟
• ما أصعب مرحلة واجهتك أثناء جمع المعلومات والوثائق؟
• هل صادفت روايات أو شهادات غيّرت نظرتك للتاريخ الاجتماعي للجوف؟
• ما المشهد أو القصة التي شعرت أنها كانت تستحق أن ت كتب مهما كلّف الأمر؟
• كيف تعاملت مع التباين بين الرواية الشفوية والمصادر المكتوبة؟
وعن جمع محتوى كتاب )رحلة التغير في الديرة( كانت رحلة طويلة حيث جاءت كإحدى نتائج
قراءة عشرات الكتب في كل المجالات حيث تشكلت القاعدة الصلبة للنقد الفني والأدبي
والفكري ثم الانطلاق للكتابة والتأليف وكان الالتزام بالمعايير المرعية أول الخطوط الحمر
التي لا يمكن تجاوزها وبعد تفكير عميق توصلت لفكرة الكتاب لأن مادته كانت قد اختمرت في
الذاكرة وأجزاء منها كانت معاشه وتم تحديد الإطار الزمني والإطار الجغرافي للموضوع وقد
استشرت بعض العارفين ممن هم في دائرة معارفي أمثال عبدالرزاق المفرج عن السوق
القديم ومسجد الشيخ فيصل وثم سألت الشيخ الحميدي بن مران البحيران عن السوق
والمسجد وذكر لي انه كان من بناة المسجد وممن تبرع له بخشب الاثل وسعف النخيل وكذلك
زرت الشيخ معاذ بن موسى المخلف لأخذ رايه في جانب المزارع والسني والنفود باعتباره
يحطب الحطب ويجمع الحشيش علفا لسوانيه ويجرد الجراد في موسمه )وهنا فرصة للترحم
عليهم جميعا.ً( وقد استغرقت مسودة الكتاب ومراجعته واخراج النسخة الأولية لعرضها
للطباعة قرابة خمس سنوات . وهنا من لهم الفضل لإخراج الكتاب الاستاذ ابراهيم المفرج
حيث نسق الكتاب وطبع النسخة الورقية والفضل الآخر للأمير عبد الرحمن السديري
ومؤسسته حيث طبع الكتاب على نفقتهم واشكر الجميع على قاعدة من لا يشكر الناس لا
يشكر الله.
خامسا:ً رؤيتك الفكرية حول الجوف والتغيير
• كيف ترى التحولات التي مرت بها الجوف خلال العقود الماضية؟
• برأيك… ما الذي يجعل الجوف مختلفة عن غيرها من مناطق المملكة؟
• ما الرسالة التي تتمنى أن تصل للجيل الجديد من خلال كتاباتك؟
• لو أردت أن تختصر “روح الجوف” في جملة واحدة… ماذا تقول؟
كل ذلك من اجل الجوف وناس الجوف، وما أصعب الاختصار، الجوف أكبر والجوف الارض
الجوف العمق والماء العذب الجوف من اوائل اماكن الاستقرار البشري في العالم، والجوف
التاريخ والآثار والمدن الزراعية وحتى الصناعية واليوم الجوف جوف الحلوة وارض
الزيتون وزيتة والملح والسمح و دبس المصع. كيف يكون لي ان اختصر من أحب، أحب
الجوف وأحب اهل الجوف، والجوف لم تكن خياراً بل قدراً، وكل فتاة بابيها مغرمة وأحب كل
مناطق المملكة الثلاث عشرة منطقة وهي اللآلئ في سما المملكة. واعطي غيري الحق كاملاً
في حب ما يشاء. وفي الكتاب اهداء لكل واحد يسكنه حب و ه مّ الجوف والذي حاولت تصويره
هو وضع الجوف آنذاك ووضعه اليوم، وقافلة رحلة النمو والتقدم مستمرة للأمام ويسهل على
من يرصد الماضي والحاضر من خلال الصورة معرفة الفرق في جميع مناحي الحياة وهذا ما
كنت اقصده برحلة التغيّر.
ومع أنى اعشق الإيجاز إلا أنى أكره الاختصار وعليه اقول عن الجوف أنه جوفنا.
ختام الحوار
• ما المشروع القادم الذي تعمل عليه أو تفكر فيه؟
• كلمة أخيرة توجهها لأهالي الجوف ولجيل الباحثين والمهتمين بتاريخ المنطقة.
اما القادم فهو مشروع كتاب تحت الاعداد )بعنوان سار( عن خط حديد الرياض الشمال
والاجمل فيه ان ) SAR ( ترمز للمملكة العربية السعودية. حب الجميع الاول.
اما كلمتي الأخيرة لأهل الجوف هي أنى احبكم في غيمكم وصحوكم.
كما وأحب ان اشكرك جزيلاً لإعطائي هذه المساحة في سماء نجوم الجوف رغم علمي بان
مساحة سماء نجوم الجوف بلا حدود .وفقك الله وشكر جهودك

زر الذهاب إلى الأعلى