الإعلامي الدمية بقلم: سمو العتيبي

في طفولتنا، لم تكن الشخصيات الكرتونية والدمى المتحركة مجرد رسوم عابرة أو ألعاب صامتة، بل كانت نوافذ نطلّ منها على العالم، ومرايا نرى فيها أنفسنا. وسط تلك الوجوه الملونة التي رافقت وعينا الأول، كان هناك نجم إعلامي مختلف، أكثر مهنية من كثيرين… إنه كامل.

كنتُ في صغري أترقّب فقرته بشغف، وأتخيل نفسي أمسك بالميكروفون وأقلّد طريقته في الحوار. كامل لم يكن مجرد شخصية لطيفة، بل كان إعلاميًا متكاملاً: خلوقًا، مثقفًا، مهنيًا، حاضرًا بكاريزما خاصة تستحق الإشادة. لعب دور المذيع الفضولي الذي يسأل بذكاء، ويغطي الأحداث بخفة ظل، ويجري مقابلات مع الشخصيات الأخرى بأسلوب ساخر ولطيف في آن واحد.

وإن وصفه البعض بـ “الثرثار”، إلا أنه كان في الحقيقة موضوعيًا، محايدًا، وأمينًا في نقل المعلومة. لذلك أحبه الأطفال والكبار، لأنه كان يقدّم إعلامًا نظيفًا، بسيطًا، وصادقًا.

لم يكن كامل مجرد وسيلة ترفيه، بل كان أداة تعليمية وإعلامية رفيعة المستوى. ساهم في غرس القيم، وتعليم اللغة العربية، وتعزيز التفكير النقدي لدى الأطفال. بأسلوبه الساخر الذي ينتقد بلطف، كان يطرح الأسئلة الذكية ويحفّز على الفضول المعرفي، دون أن يجرح أو يهاجم أو يثير ضجيجًا.

كان يضحكنا، لكنه أيضًا يعلّمنا كيف نطرح الأسئلة، وكيف نكون صادقين، وكيف نحب التعلم. وفي مرحلةٍ كانت فيها الشاشة بوابتنا الأولى إلى المعرفة، كان كامل أحد أجمل من وقف على تلك البوابة.

أراه أفضل شخصية إعلامية، لأنه يجيد الحوار مع الجميع: الأطفال، الكبار، الفنانين، وحتى السياسيين.  ولأنه علّمنا أن الإعلام ليس صوتًا مرتفعًا فقط، بل قلبًا مفتوحًا.

لم يقع في أخطاء الإعلاميين الشائعة: لا زلات لغوية، ولا تجاوزات مهنية، ولا تعامل غير لائق مع الضيوف، ولا نقل صور صادمة تؤذي المشاهدين. لا يعيبه شيء إطلاقًا، إلا كونه ضفدع ، وهذا وحده كان كافيًا ليمنحه خفة الظل.

كامل أيقونة لم تُنصفها الشهرة، رغم حضوره الطاغي، لم يُعطَ حقه من الشهرة، لكنه ترك بصمة في وجدان الملايين من أبناء العالم العربي، خصوصًا من تابعوا برنامج “افتح يا سمسم” في الثمانينيات والتسعينيات. كان جزءًا من ذاكرة جماعية، علّمتنا أن الإعلام يمكن أن يكون ممتعًا وراقيًا في الوقت نفسه.

الشخصيات الكرتونية والدمى المتحركة لم تعد مجرد ترفيه للأطفال، بل أصبحت رموزًا إعلامية مؤثرة، مثل:
• ميكي ماوس: رمز البهجة والبساطة.
• سبونج بوب: نموذج العبثية الذكية.
• دورا: شخصية تعليمية بامتياز.

كامل ليس بطلاً خارقًا ولا فارسًا مغوارًا، لكنه يملك ما هو أندر من ذلك: القدرة على أن يكون إنسانًا… وهو دمية.

إعلام اليوم يحتاج كامل، نحن بحاجة إلى محتوى كرتوني هادف يعالج قضايا الإعلام والمسؤولية المجتمعية بأسلوب جذاب ومقنع. نحتاج إلى شخصيات مثل كامل، تعيد للإعلام روحه، وتذكّرنا بأن المصداقية ليست صفة بشرية فقط، بل يمكن أن تحملها دمية إذا صُنعت بوعي وحب ورسالة.

شخصية كامل ليست مجرد دمية ظهرت في برنامج للأطفال، بل رمز ثقافي عابر للأجيال…

زر الذهاب إلى الأعلى