القصة القصيرة السعودية بين الماضي والحاضر بقلم : خديجة غانم

تعود جذور القصة القصيرة السعودية إلى أربعينيات القرن العشرين، حيث ارتبطت نشأتها ارتباطًا وثيقًا بنشأة الصحافة المحلية والمجلات؛ مثل مجلة “المنهل” وصوت الحجاز.
اتسمت تلك المرحلة باللغة التقليدية والتقريرية، وكانت غالبًا ما تأخذ شكل مقالاتٍ وخواطرَ اجتماعيةٍ مباشرة؛ تهدف إلى الإصلاح والتوجيه والموعظة أكثر من كونها فنًّا سرديًّا محترفًا؛ متأثرةً بالمحيط الثقافي العربي آنذاك وبظروف التأسيس الثقافي المبكر للمجتمع السعودي.
وفي الفترة ما بين السبعينيات والتسعينيات، شهد الفنّ القصصيّ نقلةً نوعيةً مع طفرة التنمية وبداية تعليق الآمال وتنوع الثقافات؛ حيث ظهر جيلٌ جديدٌ من الكُتّاب الذين تأثروا بالمدارس الأدبية العالمية والعربية، فابتعدوا عن الأسلوب المباشر واقتربوا من هموم الإنسان السعودي؛ والواقع الاجتماعي والتحولات المكانية والطبقية.
برزت حينها أسماءٌ مهمةٌ مثل محمد علوان؛ عبده خال؛ عبد العزيز مشري؛ الجارالله الحميد؛ جبير المليحان؛ وعبد الله باخشوين؛ حسين علي حسين؛ وخالد اليوسف.
تميزت هذه الفترة بالنضج الفني وتأسيس هويةٍ سرديةٍ سعوديةٍ مستقلة؛ تتفاعل مع التحولات الكبرى التي مرت بها البلاد. وبذلك، تجاوزت القضايا الاجتماعية السطحية لتغوص في دواخل الإنسان، وتعالج الاغتراب، والهموم النفسية، والصراع بين أصالة المكان وسطوة التحولات الحديثة بلغةٍ شعريةٍ بسيطةٍ رسخت في ذاكرة الأدب السعودي.
القصة القصيرة في حضرة “ملتقى نالا للسرد”
وعلى مدى يومين، نظّمت جمعية آداب وفنون السرد “نالا” ملتقى أدبيًّا في دورته الأولى، التي كانت بعنوان “دورة القاص محمد علوان”؛ احتفاءً بما قدمه الراحل من أعمالٍ أثْرتْ فنّ القصة القصيرة، ولاستعادة إرث رائد القصة القصيرة؛ إذ نقلنا بين عوالم السرد والهوية السعودية.
يمثل الملتقى إضافةً نوعيةً ومهمةً للمشهد الثقافي والأدبي، ويعود تألقه في دورته التأسيسية إلى ميزاتٍ جوهريةٍ تجعله مادة ثريةً وبدايةً لسلسلةٍ قادمةٍ من المشاريع الثقافية التي تسهم في ربط الأجيال الجديدة بجذورها الأدبية.
لم يكن الملتقى مجرد فعاليةٍ عابرة؛ أو تكريمٍ للراحل محمد علوان فحسب، بل غاص في تفكيك تحولات فن القصة القصيرة السعودية، سواء على مستوى البناء الفني، أو الرؤية، أو الموضوعات المعاصرة مما أضفى عمقًا تاريخيًّا وإنسانيًّا يربط الأصالة بالمعاصرة.
كما جمع الملتقى الجلسات النقدية والأكاديمية في كتابات محمد علوان، والشهادات الإبداعية التي يروي فيها الكتّاب المشاركون تجاربهم الشخصية وتحدياتهم، فانبثق منها مزيجٌ حيٌّ ومحفزٌ للحضور من محبّي القصة القصيرة وغيرهم من النقاد والمثقفين.
وبالنسبة لي، كان الروائي عبده خال من أهمّ الذين شاركونا تجاربهم الأدبية؛ إذ اتسم حديثه بالبساطة والعفوية، حكى فيه عن بعض المحطات المهمة، والعقبات التي واجهته في بداية مشواره الأدبي، والذكريات التي جمعته بالراحل محمد علوان.
من جانب آخر، استعرض الملتقى موضوعاتٍ تهمّ القصة القصيرة السعودية، جمعت بين التحولات المجتمعية والثقافية؛ الثيمات البارزة والمتكررة؛ تسريد المدينة في القصة القصيرة المعاصرة والسمات الفنية، مما يعكس مدى مواكبة الملتقى للنبض الاجتماعي والثقافي الحديث.
وممّا زاد من ألَقِ الفعالية، وجود منصات لتوقيع إصداراتٍ متنوعةٍ من مجموعاتٍ قصصية؛ روايات؛ كتب نقدية؛ ونصوصٍ قصصيةٍ قصيرةٍ جدًّا؛ أبرزها:
• التهياب للكاتب والمخرج المسرحي عبد الهادي القرني.
• حديث النجمات للكاتب عبد الرزاق كسّار.
• البارقة للكاتب فالح العنزي.
• قصة قصة للكاتب خالد الداموك.
• هطولٌ لا يجيء للكاتبة زكية العتيبي.
• قصدت أنْ أتبعك للكاتبة موضي العتيبي.
• حبال الليف للكاتبة صباح فارسي.
• فيلق الإبل رواية للكاتب أحمد السماري.
• عروس من الجان رواية فانتزيا للكاتب خالد العسّاف.
• ظلُّ الرمال رواية للكاتب والمؤرخ والخبير العسكري خالد المرعيد.
• ذاكرة النّص: توظيف التراث الأدبي في القصة القصيرة في الجزيرة العربية كتاب نقدي للدكتورة حصة بنت زيد المفرح.
يعدُّ ملتقى نالا للسرد امتدادًا للأهداف الاستراتيجية لجمعية آداب وفنون السرد، وأَصبح محطّةً فارقةً من خلال التوصيات التي قدمها في ختام الحفل، ليظلّ صوت الحكاية عنوانًا تتجدّد فيه عوالم السرد بين الماضي والحاضر؛ والقرية والمدينة؛ وتنقل للقارئ الهوية السعودية في أبهى حلّة.

زر الذهاب إلى الأعلى