في فجر يوم السبت الأول من شهر ربيع الآخر لعام 1448هـ، تلقينا ببالغ الحزن والأسى نبأ رحيل اللواء طيار أحمد عبد اللطيف أحمد حسين، فكان خبراً مؤلماً على كل من عرف هذا الرجل، أو عايش مرحلة من مراحل عطائه في الحركة الكشفية المصرية والعربية؛ الذي برحيله تفقد الكشافة واحداً من رجالاتها الكبار، وأحد أبناء جيل العمالقة الذين لم تكن قيمتهم فيما تقلدوه من مواقع أو حملوه من ألقاب، وإنما فيما تركوه من أثر، وما قدموه من عطاء، وما غرسوه من قيم وتجارب بقيت شاهدة على حضورهم حتى بعد الرحيل.
لقد كان الراحل شخصية استثنائية جمعت بين صرامة القيادة التي صنعتها سنوات خدمته في القوات الجوية المصرية، وخبرة الإدارة والمسؤولية، وبين روح الكشاف التي تقوم على الخدمة والعطاء والانضباط؛ فقد تولى رئاسة الكلية الجوية، قبل أن ينتقل إلى ميدان الكشافة، ليتولى مسؤوليات قيادية في الاتحاد العام للكشافة والمرشدات المصرية، ثم رئاسة اللجنة الكشفية العربية، ليصبح واحداً من الأسماء البارزة التي أسهمت في مسيرة الحركة الكشفية على المستويين المصري والعربي.
ولم يكن حضوره في الكشافة حضور مسؤول يؤدي مهمة ثم يغادر، بل كان حضور قائد يحمل همّ الحركة ويؤمن بأن الكشفية رسالة تربوية وإنسانية، وأن مسؤولية القيادي لا تقاس بطول بقائه في المنصب، وإنما بما يتركه من أثر في الأجيال والمؤسسات؛ ولذلك أسهم بما يملكه من خبرة ورؤية في الارتقاء بالكشافة المصرية والعربية، وكان واحداً من أولئك الذين عملوا من أجل أن تبقى الحركة الكشفية قادرة على أداء رسالتها التربوية وخدمة مجتمعاتها.
وقد نال خلال مسيرته العديد من القلائد والأوسمة والتكريمات محلياً وعربياً وعالمياً، وكان من أبرزها منحه عام 2009 “وسام الذئب البرونزي”، تقديراً لخدماته الاستثنائية للحركة الكشفية العالمية؛ ومع ذلك فإن ما يلفتني في سيرته ليس عدد الأوسمة التي حملها، ولا المناصب التي تقلدها، بقدر ما يلفتني أنه لم يكن من أولئك الذين يبحثون عن الألقاب والمواقع، أو يجعلون المناصب غاية في ذاتها؛ فقد كان من جيل يرى في المسؤولية تكليفاً، وفي القيادة خدمة، وفي العمل الكشفي رسالة، ولذلك جاءت المكانة إليه تقديراً لعطائه، لا سعياً منه إليها.
وأستعيد اليوم، وأنا أكتب عنه، واحدة من أجمل ذكرياتي معه خلال المخيم الكشفي العالمي الحادي والعشرين في بريطانيا عام 2007، عندما شاءت إرادة الله أن أكون قريباً منه في سكن إحدى الجامعات بمدينة شيلمسفورد شرق لندن؛ وكنا نتوجه معاً إلى مطعم السكن، ثم نسير إلى المخيم ونعود منه مشياً على الأقدام لمسافة تتجاوز الثلاثة كيلومترات ذهاباً ومثلها إياباً.
كانت تلك المسافة فرصة قصيرة في عمر الزمن، لكنها كانت غنية جداً في عمر المعرفة؛ فقد أتاح لي ذلك القرب أن أتعرف أكثر إلى شخصيته بعيداً عن الرتب والمناصب؛ فوجدت أمامي قائداً ملهماً، عميق التجربة، واسع المعرفة، هادئ الحضور، كريم الحديث، يحمل من الخبرة ما يجعل الجلوس إليه والاستماع إليه فرصة للتعلم؛ فتعلمت منه الكثير خلال تلك الأيام القليلة، وتوطدت علاقتنا بعد انتهاء المخيم، واستمر بيننا التواصل والود، وبقيت تلك الأيام من الذكريات الكشفية التي يصعب أن تنسى.
وكان آخر لقاء جمعني به في القاهرة خلال يناير 2020، في اجتماعات رؤساء اللجان الكشفية العربية الفرعية، حيث التقيته كما عرفته دائماً، حاضراً بخبرته وذاكرته الثرية وتجربته الطويلة في العمل الكشفي العربي؛ أما آخر اتصال بيننا فكان في أبريل 2021، عندما اتصلت به مقدماً له التعازي في وفاة زوجته، رحمها الله، ولم أكن أعلم أن ذلك الاتصال سيكون آخر ما يجمعني بصوته.
وبعد أن جاء خبر رحيله في ذلك الفجر الحزين، عادت إلى الذاكرة تفاصيل كثيرة؛ ملامحه، أحاديثه، مشيته إلى المخيم، جلساتنا القصيرة، ومواقفه التي تركت في النفس تقديراً لا تمحوه السنوات؛ وهكذا هي سيرة الرجال الذين يعيشون للقيم؛ لا تنتهي علاقتنا بهم برحيلهم، لأن ما تركوه في نفوس من عرفوهم يظل حاضراً، ولأن أثرهم يتجاوز أعمارهم إلى أجيال لم يلتقوا بهم، لكنها تعرفهم من خلال ما قدموه.
رحم الله اللواء طيار أحمد عبداللطيف أحمد حسين، الذي حمل روح القيادة من سماء القوات الجوية المصرية إلى ميادين الكشافة، فكان في كلا الميدانين صاحب مسؤولية وأثر.. رحم الله قائداً خدم الكشافة المصرية والعربية بإخلاص، وأسهم في الارتقاء بها بما امتلكه من خبرة وحكمة وتجربة، ولم يجعل من المناصب هدفاً، ولا من الألقاب غاية، وإنما جعل من الخدمة قيمة، ومن العطاء طريقاً، ومن الأثر الطيب إرثاً.
إن جيل العمالقة لا يغادر كاملًا برحيل أفراده؛ فالأجساد ترحل، أما المواقف والقيم والتجارب والذكريات فتبقى؛ وسيظل اللواء طيار أحمد عبداللطيف واحداً من تلك القامات التي كلما استعيدت سيرة الرجال الذين أسهموا في بناء الحركة الكشفية المصرية والعربية، حضر اسمه بينهم، لا باعتباره صاحب منصب أو لقب فحسب، وإنما باعتباره قائداً وإنساناً ترك أثراً لا يُنسى.
رحم الله اللواء طيار أحمد عبداللطيف، وأسكنه فسيح جناته، وجزاه عن الكشافة المصرية والعربية خير الجزاء، وأبقى له في قلوب من عرفوه سيرةً طيبةً وذكرى عطرةً وأثراً لا يزول.
مبارك بن عوض الدوسري
@mawdd3
