داخل أروقة معرض دمشق الدولي للكتاب، وفي جناح وزارة الداخلية السورية تحديدًا، كان المشهد أقرب إلى ذاكرة مفتوحة على الجحيم. أبواب حديدية، زنازين ضيقة، مقتنيات شخصية لمعتقلين ومعتقلات، ملابس، أدوات تعذيب، وذكريات ثقيلة تعود لأشخاص فُقدوا داخل سجن صيدنايا.
اكتسحت مقاطع وصور الجناح مواقع التواصل الاجتماعي، لكن الصورة مهما كانت قاسية، تظل عاجزة عن نقل الحقيقة كاملة؛ فهناك أوجاع لا تكفيها الصورة، وذاكرة لا تستطيع الكاميرا أن تلتقطها.
جلست طويلًا أقرأ وأشاهد، وأنا أعاني من ألم وغثيان لشدة ما رأيت وسمعت عن أساليب التعذيب.
لم يكن ذلك المكان سجنًا… كان مسلخًا بشريًا.
الكرسي الألماني، وبساط الريح، وكرسي التحقيق الكهربائي، والمكبس الألماني، وأساليب الشبح، وتعرية المعتقلين، والسجن الأحمر، والزنزانة الانفرادية، والتجويع، والإعدامات بإبر الموت، والقتل الممنهج في إعدامات جماعية، والغرف الأكثر رعبًا تحت الأرض، وقبور الملح… وطرق تعذيب قذرة لا أستطيع حتى كتابتها.
كل أداة كانت تقول شيئًا واحدًا: الألم كان هنا.
لم يكن الجناح عرضًا عاديًا، بل نافذة صغيرة على جزء من الوجع والقهر الذي عاشه الشعب السوري الشريف.
وأمام تلك الأبواب، لم أسأل فقط: ماذا حدث خلفها؟
بل سألت نفسي:
كم شخصًا أُغلق عليه هذا الباب؟
كم أمًا انتظرت خلفه ابنًا لم يعد؟
وكم طفلًا كبر وهو لا يعرف لماذا غاب أبوه؟
يا الله… كم بيتًا ظل فيه كرسيٌّ فارغ، وملابس معلّقة، وصوتٌ غائب، وسؤالٌ بلا جواب.
لم يستطع عقلي استيعاب كيف يمكن للإنسان أن يبتكر أدوات لتعذيب إنسان آخر. والأشد إيلامًا أن التعذيب لم يكن دائمًا على يد الرجال؛ فقد شاركت نساءٌ سجّانات في تعذيب النساء والأطفال داخل المعتقلات.
وهنا يصبح السؤال أكثر قسوة:
كيف يمكن لامرأة أن ترى امرأة مثلها تتألم، وأن ترى طفلًا يرتجف خوفًا… ثم تكون جزءًا من الألم؟
لماذا صُنعت هذه المعدات؟ ومن الذي ابتكرها؟ ومن الذي استوردها؟ ولماذا؟
سجون معتمة… متاهات كثيرة… رهبة كبيرة.
أسئلة كثيرة بقيت معلّقة في رأسي.
إنه أمرٌ مرعبٌ وعظيم… حين يتسلّم البشر زمام الأمور وتغيب عنهم الإنسانية، والحمد لله أن الرحمة بيد رب العالمين، وإلا لحرم الإنسانُ أخاه الإنسان منها. ومن هنا يتّضح أن غياب الرحمة والضوابط معًا يفتح الباب لانفلاتٍ لا يُمكن للعقل البشري احتماله؛ فحين تُرفع المحاسبة، تظهر سلوكيات كانت محجوبة خلف القانون والعرف. لذلك فالقانون ليس عائقًا أمام الإنسان، بل هو الجدار الذي يحميه من طغيان نفسه قبل أن يردّ عنه أذى الآخرين.
قرأتُ العبارات التي كتبها المعتقلون على الجدران والأبواب، ورأيتُ أسماءهم التي نحتوها. لم تعد الأبواب أبوابًا ولا الجدران جدرانًا؛ كانت شهادات صغيرة تقول إنهم كانوا هنا. كتبوا أسماءهم خوفًا من أن يغادروا بلا أثر… «أنا فلان» كلمة بسيطة، لكنها في ذلك المكان كانت صرخة.
أبرياء ماتوا، تعذّبوا، تشردوا، تيتموا، ترمّلوا، ودُمّرت حياتهم. ومع ذلك… بقيت أسماؤهم على الجدران.
هناك أماكن لا تدخلها بقدميك فقط… تدخلها بقلبك.
ثم تخرج منها وأنت تحمل غرباء في ذاكرتك:
أسماء لم تعرف أصحابها، وجوهًا لم ترها، أمهات لم تجلس معهن، وأطفالًا لم تسمع أسئلتهم.
ومع ذلك… تشعر أن شيئًا منك بقي هناك.
ولعل أقسى ما في صيدنايا ليس ما رأيناه من أبواب وزنازين، بل ما يجعلنا نتخيّل ما لا نستطيع رؤيته.
فخلف كل باب حكاية، وخلف كل اسم أم، وخلف كل قطعة ملابس صاحبها الذي ربما ظل أحدهم ينتظر عودته سنوات طويلة.
بعد كل هذه الصور، خرجت بسؤالٍ أكبر من كل ما رأيت:
كيف يستطيع الإنسان أن يفعل كل هذا بالإنسان؟
إن تعذيب الإنسان ليس مجرد جريمة سياسية أو انتهاك قانوني، بل فعل مرفوض أخلاقيًا ودينيًا وإنسانيًا منذ قرون.
قال النبي ﷺ: «إنَّ اللهَ يُعذِّبُ الذين يُعذِّبونَ الناسَ في الدنيا» رواه مسلم.
لم أذهب إلى سوريا، ولم أقف خلف أبواب صيدنايا، ولم أرَ بعيني ما جرى داخل أروقته.
لكن الصور والمقاطع التي نقلتها وسائل الإعلام، وما كشفته شهادات الناجين والناجيات، كانت كافية لأن تجعل هذا المكان حاضرًا أمامنا بكل ما يحمله من وجع وذاكرة لا يمكن تجاهلها.
جناح صيدنايا لم يكن مجرد مساحة توثيقية تستعرض تاريخ سجن، بل نافذة على واحدة من أكثر الصفحات إيلامًا في الذاكرة السورية؛ صفحة تتحدث عن معتقلين — بينهم نساء وأطفال — وعن ممارسات تعذيب تركت آثارًا لا تُمحى في أجسادهم وذاكرتهم وإنسانيتهم.
سكتت الأصوات، وبقيت الكلمات.
أُغلقت الأبواب، وبقيت الحكاية.
إلى الشعب السوري الحبيب…
عوضكم الله عمّا أصابكم من ابتلاء وامتحان، وجبر قلوبكم، وعوّضكم عن كل فقد، وكل دمعة، وكل انتظار، وكل باب أُغلق خلف عزيز ولم يُفتح.
أسأل الله أن يجعل ما مضى شاهدًا على الظلم، وأن ينتقم من الظالم، وأن يجعل القادم جبرًا يليق بكل هذا الصبر.
والحمد لله دائمًا وأبدًا.
