الاتفاق النووي الأمريكي-السعودي المكاسب والتحديات الاستراتيجية بقلم د. فاتن فريد الدوسري

        بعد سنوات من القيود والعراقيل الأمريكيةغير الموضوعيةلإتمام اتفاق نووي سلمى مع السعودية، جاء الاتفاق أخيراً في يوليو الماضي في ظل إدارة ترامب متحدياً ضغوط داخلية وخارجية لا حصر لها لمنع الاتفاق.

          والاتفاق محطة استراتيجية فارقة في الشراكة بين الجانبين، إذ سيعمق تلك الشراكة إلى مستويات أكبر، علاوة على المكاسب الاستراتيجية الهائلة التي يجنيها الجانبين. يتناغم الاتفاق مع طريقة ترامب في التفكير وسياسته بصورة عامة، وذلك من حيث أولوية المكاسب الاقتصادية والتي تتجاوز ال20 مليار وفقاً لأدنى التقديرات الناجم عن الاتفاق ذات ال30 عاماً. وكذلك، عرقلة التفاف السعودية ومن بعدها دول أخري في المنطقة إلى قوى نووي كبرى لا سيما الصين أو روسيا لإبرام اتفاق في ظل التعنت الأمريكي، وبالتالي حرمان تلك القوى من نفوذ جيوسياسى أوسع في المنطقة باعتبار أن السعودية أكبر دولة في المنطقة، علاوة على حرمانهم من المكاسب الاقتصادية الهائلة.

          يجب الوضع في الاعتبار أيضاً برغبة أمريكا في معادلة التوازن السعودي مع إيران، وإن كان البرنامج سلمى لكنه رسالة قوية لإيران أيضا، وهو ما يحقق الاستقرار في النهاية ويخفف من ضغط الصراع الأمريكي في المنطقة.

         يحقق الاتفاق للسعودية مكاسب استراتيجية متنوعة لا حصر لها، فاستحواذ المملكة على برنامج نووي سلمى يتناغم مع طموحات المملكة التنموية والاقتصادية والاجتماعية والتكنولوجية الهائلة وفقا لرؤية 2030 لا سيما في حقبة ما بعد النفط، وذلكعلى سبيل المثال لا الحصرتوليد الطاقة الكهربائية، تطوير تطبيقات متقدمة في الرعاية الصحية والزراعة والطاقة النظيفة والتعليموغيرها. وتعزيز ريادة التكنولوجية للمملكة خاصة في مجال الذكاء الاصطناعي الذي يحتاج كميات هائلة من الطاقة، كذلك ريادتها العالمية في مجال البيئة والطاقة النظيفة.

        ورغم كونه سلمى وسيظل في إطار سياسة المملكة الراسخة الداعمة لنزع السلاح النووي والسلام والاستقرار في المنطقة؛ إلا أنه رسالة لخصوم المملكة بإمكانية الردع النووي إذا استدعت الضرورة كحق للمملكة لحفظ سيادتها واستقراها كأولوية مطلقة للدول البقاء“.

         بطبيعة الحال الاتفاق لا يخلو من تحديات ومخاطر استراتيجية متنوعة، إذ من البديهي والمتوقع أيضا أن الاتفاق سيدفع إيران إلى المزيد من التشدد في برنامجها النووي، ومن الوارد على نحو كبير دفعها إلى الإسراع في تخصيب اليورانيوم بمساعدة حلفائها. وقد يؤدى الاتفاق إلى موجة واسعة في المنطقة للاستحواذ على برامج نووية بدعم من القوى النووية الكبرى لأجل المكاسب المالية والجيوسياسية.

           والتدخل الإسرائيلي في الخليج بصور متعددة ليس مستبعداً أيضا، فالاحتكار النووي في المنطقة تحسبه إسرائيل حق حصري لها، ولا تطمئن مطلقاً لقوى عربية أو إسلامية لديها برنامج نووي حتي ولو سلمى. بالإضافة إلى مساعيها المتوقعة للضغط على الولايات المتحدة لإفساد الاتفاق، أو إجبار المملكة على التطبيع دون شرط المملكة الراسخ إقامة دولة فلسطينية كاملة السيادة وفقا لمبدأ حل الدولتين.

          إن امتلاك برنامج نووي ينهض بالدولة بصورة مباشرة إلى صفة الدول الكبرى، في حال المملكة بما تمتلكه من مقدرات ودور وتاريخ وقيادة حكيمة ستصبح أكبر دولة إقليمية، وذلك لن يرضى قوى كثيرة طامحة في الريادة الإقليمية، مما قد يدفعها للتأمر على المملكة أو تشكيل تحالفات ضدها تحت أسماء خادعة.

           في نهاية المطاف، وافقت إدارة ترامب على الاتفاق في التوقيت الصحيح حيث كانت المملكة على وشك الاتفاق مع البديل، وبذلك حققت ببرجماتية عالية مكاسب استراتيجية هائلة وعدم فقدان أهم حليف في المنطقة، في المقابل، ما تجنيه المملكة من مكتسبات استراتيجية يفوق الحصر مع الوضع في الاعتبار للتحديات الكثيرة القادرة المملكة بحكمة القيادة التصدي لها بل تحويها لفرص استراتيجية أخرى.

زر الذهاب إلى الأعلى