بتول الفهاد
في مساءٍ ازدانت ساعاته بنور المعرفة وتعانقت فيه الكلمة مع الحكمة احتضن مكتب مدينتي قرطبة بالرياض أمسيةً ثقافيةً استثنائية نظمها مكتب جمعية الأدب والأدباء بمنطقة الجوف بالتعاون مع مكتب مدينتي قرطبة وصالون الجوف الثقافي حملت عنوانًا لافتًا يستوقف الفكر قبل السمع:
«أنت لا تملك ما جمعت بل ما أحضرت»وقدّمتها الأستاذة عبير العيد في حضورٍ ثقافيٍ جسّد شغف الإنسان بالمعرفة حين تلامس روحه قبل عقله.
ومنذ اللحظات الأولى لم تكن المحاضرة حديثًا عن المال أو الممتلكات بقدر ما كانت رحلةً في أعماق النفس تعيد تعريف معنى الغنى وتنتشل مفهوم الامتلاك من ضيق المادة إلى سعة الأثر لتؤكد أن الإنسان لا يُخلَّد بما راكم وإنما بما قدّم وأن أعظم الثروات هي تلك التي تعبر بصاحبها من الدنيا إلى الآخرة.
وبلغةٍ جمعت بين رصانة الفكر وعذوبة البيان قادت المحاضِرة الحضور بين محطاتٍ من التأمل والتدبر حيث امتزجت التجارب الإنسانية بالشواهد الواقعية لتصوغ رؤيةً تُعيد ترتيب الأولويات وتدعو إلى مراجعة ما يظنه الإنسان رصيدًا له بينما الرصيد الحقيقي هو ما يبقى في صحيفة أعماله.
وكان القرآن الكريم هو النور الذي أضاء مسار الأمسية والمرجع الذي استندت إليه أفكارها فلم تكن الآيات شواهد تُستحضر بل معانٍ تنبض بالحياة وتعيد صياغة المفهوم في أبهى صوره. فقد تجلت الحقيقة في قول الله تعالى: (مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ اللَّهِ بَاقٍ )لتختصر رحلة الإنسان بين الفناء والبقاء وتعلن أن كل ما تتشبث به اليد إلى زوال بينما ما يُرفع إلى الله من عملٍ صالح هو الباقي الذي لا يعتريه أفول.
كما أشرقت معاني قوله سبحانه: (وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى ) لتغرس في الوجدان يقينًا راسخًا بأن الإنسان لا يحمل معه من دنياه إلا سعيه ولا يلقى ربه إلا بما قدّم من خير في انسجامٍ بديع مع عنوان الأمسية حتى بدا وكأن العنوان يستمد روحه من هداية القرآن ويترجم معانيه إلى واقعٍ معاش.
ولأن الفكر الحيّ لا يكتمل إلا بالحوار شهدت الأمسية تفاعلاً ثريًا من الحضور الذين أثروا اللقاء بمداخلاتهم وتساؤلاتهم في نقاشٍ اتسم بالعمق والرقي وعكس تعطش المجتمع لمثل هذه اللقاءات التي تعيد للثقافة رسالتها وللكلمة أثرها وللقيم مكانتها.
وتأتي هذه الأمسية امتدادًا لرسالة مكتب جمعية الأدب والأدباء بمنطقة الجوف في صناعة المشهد الثقافي وإطلاق مبادرات تتجاوز حدود المعرفة إلى بناء الوعي وترسيخ القيّم وربط الأدب بجوهره الإنساني والإيماني ليظل منارةً تضيء العقول وتسمو بالأرواح
واختُتمت الأمسية غير أن رسالتها بقيت معلقة في القلوب ترددها هداية القرآن قبل أن تنطق بها الكلمات ليس الغنى فيما امتلأت به الخزائن وإنما فيما امتلأت به الصحائف من صالح الأعمال وليس الإنسان بما جمع بل بما قدم فكل ماعلى الأرض الى زوال ويبقى ماكان لله مصداقاً لقوله تعالى ( والبَاقيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً وخيرٌ أَمَلا )


