سؤال العمر
في لحظةٍ عابرة، أضاء هاتفي بإشعارٍ يهنئني بإتمام ثلاثين عاماً. لم أكن ممّن يبالغ في عدّ السنوات، لكنّ الثلاثين جاءت هذه المرة مختلفة؛ لم تأتِ رقماً عابراً، بل سؤالاً لم أعرف له جواباً: ماذا فعلت بكل هذا العمر؟
تذكّرت حينها صوت طلال مداح في أغنيته «اليوم يمكن تقولي»، من كلمات لطفي زيني، ضمن ألبوم «زمان الصمت» الصادر عام 1992م، وتلك العبارة التي ظلّت عالقةً في ذاكرة أجيال: «تسعة وعشرين عام ضاعت وسط الزحام». لم تكن العبارة بالنسبة لي مجرد كلمات أغنية، بل سؤالاً عميقاً عن العمر نفسه: هل تضيع سنوات عمرنا فعلاً؟ وإن ضاعت، ففيمَ ضاعت؟
وقفت عند الثلاثين لا لأرثي ما مضى، ولا لأحتفل كما يفعل الناس، بل لأفهم: فيمَ ضاعت تلك السنوات؟ فوجدت أنّ ثلاثين عاماً من عمري مرّت بين دراسةٍ وبعثةٍ وعملٍ ومسؤوليات أهلٍ وزواج، وبين أحلامٍ كبرت معي وأخرى تأجّلت حتى كدت أنساها. كنت في العشرين ممتلئاً بالأسئلة، باحثاً عن أجوبة، أظنّ أن الطريق سيتضح سريعاً وأن الوقت واسعٌ لكل شيء. لكنّ السنوات علّمتني أن الوقت لا ينتظر أحداً، وأن الحياة لا تمنحنا إجاباتها بسهولة، وليس لكل سؤالٍ جواب؛ فبعض الأجوبة لم يحن وقتها بعد. ولأفهم أين مضت تلك السنوات، كان عليّ أن أفهم الزمن الذي مضت فيه؛ فأنا ابن جيلٍ لم يعش زمناً واحداً، بل عاش بين زمنين.
بين زمنين
انفتح العالم علينا على اتساعه دفعةً واحدة. وأقرب صورةٍ تعبّر عن حالنا أنّنا كنّا في كفّ يدٍ منقبضة، ففُتحت فجأةً دون إنذار، فمالت بنا الدنيا وكدنا نسقط منها: زمنٌ كان أبطأ وأبسط وأقرب إلى الإنسان، وزمنٌ آخر صار أسرع من قدرتنا على اللحاق به.
عشنا انتقالاً واسعاً من رسائل قصيرة كانت تكفي إلى رسائل لا تنتهي، ومن حياةٍ جميلةٍ ببساطتها إلى حياةٍ مفتوحة على المقارنات اليومية. كبرنا في بيوتٍ كان حديث أهلها أطول من انشغالهم، ثم وجدنا أنفسنا أمام شاشاتٍ تزاحم الذاكرة والوقت والانتباه.
ولستُ وحدي مَن عاش هذا الانقسام بين زمنين؛ فالدارسون لعلم الأجيال يطلقون على أبناء هذه المرحلة اسم «جيل الألفية» (Millennials)، وهو مصطلحٌ صاغه الباحثان الأمريكيان ويليام شتراوس ونيل هاو في كتابهما «Generations» الصادر عام 1991م، وسُمّي كذلك لأنّ أكبر أبنائه بلغوا سنّ الرشد مع مطلع الألفية الجديدة. ويعرّف مركز «بيو» للأبحاث جيل الألفية بأنه يضمّ المولودين بين عامَي 1981 و1996م، مشيراً إلى أن ملامح هذا الجيل تشكّلت في ظل أحداث فارقة؛ من بينها هجمات 11 سبتمبر وما تلاها من حروب، والركود الاقتصادي، إلى جانب التحول التقني المتسارع وانفجار الإنترنت؛ فهو الجيل الذي عبَر بنفسه من العالم التناظري إلى العالم الرقمي، فاضطُرّ إلى التكيّف مع التقنية بدلاً من أن يولد في أحضانها.
وكبر معنا ضغط النجاح والزواج والعمل والاستقرار، وتحوّلت الأسئلة البسيطة إلى محاكم داخلية: ماذا أنجزت؟ أين وصلت؟ هل تأخرت؟ لم يعد التعب تعب الجسد وحده، بل صار تعباً من نوعٍ آخر؛ تعب المقارنة، وتعب الركض وراء الرزق، وتعب الخوف من أن يمضي العمر قبل أن نصل إلى ما نريد. غير أنّ هذا التسارع لم يكن أول ما أثقل خطواتنا؛ فإن كان جيل الألفية قد عاش هذا التحوّل في العالم كلّه، فإنّ لأبناء جيلي في السعودية ظلالاً تخصّهم وحدهم، سبقت ذلك التحوّل كلّه؛ فقد كانت طفولتنا نفسها تكبر في الظل.
طفولة في الظل
نحن أبناء منتصف التسعينيات لم نكبر في زمنٍ هادئ. كبرنا والبلاد تخرج من ظلالٍ ثقيلة؛ ظلال بعض صور الصحوة المتشددة من جهة، وظلال الإرهاب والخوف من جهة أخرى. أتذكر أنني حين ذهبت عام 2000م مع والدي للتسجيل في إحدى مدارس تحفيظ القرآن، لم يكن السؤال عن رغبتي في التعلم، ولا عن استعدادي للحفظ، بل وجدت نفسي طفلاً يُسأل بعيداً عن والده أسئلةً لا علاقة لها بالتعليم، ولا تليق بطفلٍ جاء يحمل براءة البدايات. كانت هناك معايير غير مكتوبة، تستند أحياناً إلى هيئة الأب وطول لحيته وقِصَر ثوبه، وتمتدّ إلى تفاصيل الحياة الخاصة داخل البيت: «هل تصلّون؟ هل في بيتكم دشّ؟ هل تستمعون إلى الأغاني؟»، دون أن ينظر أحدٌ إلى ما في قلب الابن وأهله من رغبةٍ صادقة في حفظ القرآن. لم أفهم يومها ما الذي يحدث، لكنني فهمت لاحقاً أنّ بعض الطفولة تُختطف على يد المتشددين؛ أسئلةٌ خاطئة، في المكان الخطأ، على الشخص الخطأ، فكان كلّ ما جرى في تلك المقابلة خطأً. ولم يكن لذلك التشدد مبرّر؛ فنحن أبناء دولةٍ قامت على التوحيد، وأبناء هذه البلاد، فلِمَ التشكيك في العقيدة والانتماء؟ لقد خلّفت تلك الصحوة المتشددة من الكوارث ما هو أشهر من أن يُروى هنا.
ثم جاءت سنوات الإرهاب لتضيف إلى الذاكرة وجهاً آخر من الخوف؛ أتذكر مشاهد تفجيرات الرياض عام 2003م، وأتذكر كيف كانت صور المطلوبين في الصحف تتحول في عين الطفل إلى قائمة رعبٍ يومية. كنت أحتفظ بالجريدة أمامي، وألتفت عند كل إشارة، أبحث بقلقٍ في الوجوه العابرة، كأنّ طفلاً صغيراً صار مكلّفاً بحراسة العالم من هذا الشر. تلك لم تكن طفولة فردٍ وحده، بل كانت جزءاً من ذاكرة جيلي في السعودية؛ جيلٍ فتح عينيه على التحوّل، فوجد نفسه بين بعض التشدد الذي يضيّق الحياة، وإرهابٍ يسرق الطمأنينة، ثم كبر وهو يحاول أن يخرج من تلك الظلال دون أن يفقد إيمانه. ومن وسط تلك الظلال، خرج شابٌ في العشرين يحمل أسئلة كثيرة، ويظنّ أنّ الإجابات سهلة وقريبة.
وصية للعشرين
لو عدت إلى نفسي في العشرين، لما وبّختها. كنت سأجلس مع ذلك الشاب الخائف من المستقبل وأقول له: لا تُنهك نفسك في إثبات ما لا يحتاج إلى إثبات، ولا تسترخِ حتى تضيع. لا تجعل ما يفعله غيرك مقياساً لقيمتك، واختر وجهتك بنفسك، واترك للحياة مساحةً أن تفاجئك.
وكنت سأقول له أيضاً: لا تخف من التأخر كثيراً؛ فليست كل الطرق التي لم تسلكها خسارة، وليست كل المنعطفات ضياعاً. بعض التأخير نعمة، وبعض الأبواب التي أُغلقت في وجهك كانت رحمةً لم تفهمها إلا لاحقاً.
مرآة لا رقم
ومع ذلك، لا أنكر ما تحقق. هناك أيامٌ لا تغادر الذاكرة: يومٌ أتممت فيه ما بدأت وفي عيني دمعةٌ لا أدري أكانت فرحاً أم إرهاقاً، ويومٌ سمعت فيه ممّن أحب كلمةَ فخر، فشعرت أن جملةً واحدة قد تكفي لتضميد سنوات من التعب.
حين جلست أقرأ تلك السنوات فصلاً فصلاً، وجدت فيها تعباً وامتناناً، وأخطاءً لم تكن كلها خسارة، وتأخيراتٍ كرهتها حين عشتها وشكرتها بعد ذلك. وجدت أن العمر لم يضع كما ظننت، بل كان يبنيني بهدوءٍ بينما كنت منشغلاً بالوصول.
الثلاثون التي مضت ليست رقماً أضيفه إلى سيرتي، بل مرآةٌ تعرّفت فيها على نفسي؛ رجلٌ تعلّم الصبر حين لم يكن أمامه خيار، وثبت على إيمانه حين اهتزّ اليقين، وفهم أن الحياة ليست سباقاً واحداً بل رحلات متعددة، لكل رحلة وقتها ومكانها.
أما الثلاثون القادمة، فلن أستقبلها بقائمة أمنيات طويلة. سأستقبلها بوعيٍ أكبر، وامتنانٍ أصدق، وخفةٍ لا تعني اللامبالاة، بل تعني ألّا أحمل فوق قلبي ما لا يحتمل.
لم تضع السنوات وسط الزحام. ربما ضاعت منا لحظات، وتأجلت أحلام، وتبدّلت طرق؛ لكن شيئاً فينا كان يكبر طوال الوقت، وهذا يكفي.
