الدكتور عفت أحمد ذكي: التوحد ليس مرضًا واحدًا.. والتدخل المبكر يصنع الفارق

أستاذ أمراض التخاطب يكشف أحدث التوجهات العلمية في فهم التوحد ويؤكد: الأمل والتشخيص المبكر أساس النجاح

أجرى الحوار / مشاعل القحطاني

في حوار خاص، تحدثت البروفيسور الدكتور عفت أحمد ذكي، أستاذ أمراض التخاطب بكلية الطب واستشاري اضطرابات التخاطب والتوحد، عن أبرز المستجدات العلمية في مجال اضطراب طيف التوحد، والتطورات التي شهدها هذا التخصص خلال العقود الأخيرة.

وأكد أن التوحد اضطراب نمائي عصبي معقد تتداخل في ظهوره عوامل وراثية وبيولوجية ومناعية وبيئية متعددة، مشددا على أنه ليس نتيجة أساليب التربية أو تقصير الأسرة كما يعتقد البعض.

وتناول خلال الحوار أهمية التدخل المبكر ودور التخاطب في بناء منظومة التواصل لدى الطفل، كما سلط الضوء على أحدث الأساليب العلاجية العالمية، ودور الأسرة كشريك أساسي في رحلة التأهيل، إضافة إلى رؤيته لمستقبل خدمات التوحد والتخاطب في المملكة العربية السعودية.

كما استعرض الدكتور عفت أبرز القضايا البحثية التي ما زالت بحاجة إلى دراسات أعمق في العالم العربي، وقدم رسائل مهمة للأسر حول التقبل والأمل وأهمية التركيز على قدرات الأطفال وإمكاناتهم، مؤكدا أن كل طفل مصاب بالتوحد يمتلك قصة خاصة وفرصة حقيقية للتطور والنجاح متى ما توفرت له الرعاية المناسبة.

س: عرفنا بنفسك؟

أنا اد. عفت أحمد ذكي، أستاذ أمراض التخاطب بكلية الطب – مصر، واستشاري اضطرابات التخاطب والتوحد، عضو الجمعية الطبية المصرية و الأوربلية لمراض التخاطب أعمل في هذا المجال منذ أكثر من 25 عامًا. اهتماماتي المهنية تركز على تشخيص وعلاج اضطرابات التواصل واللغة لدى الأطفال، مع اهتمام خاص باضطراب طيف التوحد والاتجاهات الحديثة في فهم العوامل الطبية والبيولوجية المصاحبة له. كما أتعاون علميًا مع عدد من الباحثين الدوليين في مجال التوحد، ومنهم البروفيسور ريتشارد فراي..

س: هل التوحد سببه مشكلة نفسية أم تربوية؟

التوحد اضطراب نمائي عصبي معقد، وليس نتيجة خطأ في التربية أو تقصير من الأسرة. الأبحاث الحديثة تشير إلى تداخل عوامل وراثية وبيولوجية ومناعية واستقلابية وبيئية تؤثر على نمو الدماغ في مراحل مبكرة من الحياة.

س: ما أهمية التخاطب في علاج التوحد؟

التخاطب لا يقتصر على تعليم الطفل الكلام فقط، بل يهدف إلى بناء التواصل بجميع أشكاله. نحن نعمل على تطوير فهم اللغة والتعبير عنها والتفاعل الاجتماعي واستخدام اللغة في الحياة اليومية، وهي مهارات أساسية لتحسين جودة حياة الطفل واستقلاليته.

  1. بعد أكثر من 25 عامًا من العمل في مجال التوحد، ما أكثر المفاهيم الخاطئة التي لا تزال منتشرة بين الأسر حول هذا الاضطراب؟

بعد أكثر من 25 عامًا من العمل مع الأطفال المصابين باضطراب طيف التوحد وأسرهم، أرى أن أكثر المفاهيم الخاطئة انتشارًا هو الاعتقاد بأن التوحد مرض واحد له سبب واحد وعلاج واحد. الحقيقة أن التوحد هو طيف واسع، وكل طفل يختلف عن الآخر من حيث الأعراض والقدرات والاحتياجات والعوامل البيولوجية المصاحبة..

كذلك لا يزال البعض يعتقد أن الطفل المصاب بالتوحد لا يمكن أن يتحسن أو يتعلم أو يطور مهاراته اللغوية والاجتماعية، وهذا غير صحيح. خبرتنا العملية أثبتت أن التدخل المبكر، والتقييم الدقيق، والخطة العلاجية المناسبة يمكن أن تُحدث فارقًا كبيرًا في حياة الطفل وأسرته.

ومن المفاهيم التي أحاول تصحيحها دائمًا أن جلسات التخاطب وحدها تكفي لعلاج جميع مشكلات الطفل. نحن اليوم ننظر إلى الطفل بصورة أشمل، فنقيم اللغة والتواصل والسلوك والقدرات المعرفية، ونبحث أيضًا عن العوامل الطبية والبيولوجية المصاحبة التي قد تؤثر على تطوره.وأحب دائمًا أن أقول للأسر: إذا كنت قد رأيت طفلًا واحدًا مصابًا بالتوحد، فأنت رأيت طفلًا واحدًا فقط؛ لأن كل طفل توحد له قصته الخاصة واحتياجاته الخاصة.” وهذا هو جوهر الفهم الحديث للتوحد.

٢- هل ترون أن زيادة أعداد حالات التوحد تعكس انتشارًا حقيقيًا للاضطراب أم تحسنًا في أدوات التشخيص والكشف المبكر؟

هذا سؤال مهم جدًا ويُطرح باستمرار في الأوساط العلمية والمجتمعية. في رأيي، وبناءً على ما تشير إليه الدراسات الحديثة، فإن الزيادة الملحوظة في أعداد حالات التوحد ترجع إلى عاملين رئيسيين معًا وليس إلى عامل واحد فقط.

العامل الأول هو التحسن الكبير في أدوات التشخيص وزيادة الوعي المجتمعي. اليوم أصبح الأطباء والمتخصصون والمعلمون والأسر أكثر قدرة على التعرف على العلامات المبكرة للتوحد، كما توسعت المعايير التشخيصية لتشمل طيفًا أوسع من الحالات التي ربما لم تكن تُشخّص في الماضي.

أما العامل الثاني فهو أن هناك مؤشرات علمية تدفعنا للاعتقاد بأن جزءًا من هذه الزيادة قد يعكس بالفعل ارتفاعًا حقيقيًا في عدد الحالات، نتيجة تفاعل عوامل متعددة تشمل العوامل الوراثية والبيئية والصحية أثناء الحمل والولادة وفي السنوات الأولى من عمر الطفل. لكن حتى الآن لا يوجد سبب واحد يمكن أن يفسر هذه الزيادة بشكل كامل.

ومن المهم أن ندرك أن التوحد ليس مرضًا واحدًا، بل مجموعة من الاضطرابات النمائية العصبية ذات الخلفيات البيولوجية المختلفة، ولذلك فإن الحديث عن سبب واحد أو تفسير واحد لزيادة الأعداد يعد تبسيطًا مخلًا للموضوع.

ما يشغلني كمتخصص ليس فقط عدد الحالات، بل أهمية التشخيص المبكر والتدخل المبكر، لأن اكتشاف الطفل في عمر سنتين أو ثلاث سنوات يختلف كثيرًا عن اكتشافه في عمر متأخر. كلما بدأنا التدخل مبكرًا كانت فرص تحسين اللغة والتواصل والمهارات الاجتماعية أكبر.

وأعتقد أن السؤال الأهم اليوم ليس: لماذا زادت الأعداد فقط؟ بل كيف نستطيع أن نقدم لكل طفل التشخيص الدقيق والتدخل المناسب في الوقت المناسب.

٣- كيف تغير فهم المجتمع الطبي لاضطراب طيف التوحد خلال العقود الأخيرة مقارنة بما كان عليه في بداية مسيرتكم المهنية؟

إذا قارنت بين بداية عملي في مجال التخاطب والتوحد منذ أكثر من 25 عامًا وبين ما نعرفه اليوم، أستطيع القول إن فهمنا للتوحد شهد تحولًا جذريًا على جميع المستويات.

في الماضي كان التركيز ينصب بشكل أساسي على الأعراض الظاهرة، مثل تأخر الكلام أو ضعف التواصل أو السلوكيات التكرارية، وكان الهدف الرئيسي هو التعامل مع هذه الأعراض من خلال البرامج التأهيلية والتربوية. أما اليوم فقد أصبحنا ننظر إلى التوحد باعتباره اضطرابًا نمائيًا عصبيًا معقدًا له أبعاد وراثية وبيولوجية ومناعية واستقلابية متعددة.

كما تطور فهمنا لفكرة أن التوحد ليس حالة واحدة، بل طيف واسع من الحالات يختلف فيه كل طفل عن الآخر من حيث الأسباب والأعراض والاستجابة للعلاج. لذلك انتقلنا من مفهوم “العلاج الموحد” إلى مفهوم “الطب الشخصي” أو Personalized Medicine الذي يسعى لفهم الخصائص البيولوجية لكل طفل على حدة.

ومن أهم التغيرات أيضًا ظهور أبحاث متقدمة حول:

  • العوامل الوراثية والجينية المرتبطة بالتوحد.
  • دور الجهاز المناعي والالتهابات العصبية.
  • العلاقة بين الجهاز الهضمي والدماغ (Gut-Brain Axis).
  • اضطرابات الميتوكوندريا والطاقة الخلوية.
  • مسارات الفولات والميثيليشن لدى بعض الأطفال.

وهذا لا يعني أن التأهيل والتخاطب أصبحا أقل أهمية، بل على العكس، ما زالا حجر الأساس في العلاج. لكننا أصبحنا أكثر قدرة على فهم الطفل بصورة شاملة، بحيث نجمع بين التقييم الطبي والتأهيلي والنفسي والتعليمي للوصول إلى أفضل النتائج.

وأعتقد أن أكبر تطور حدث خلال هذه السنوات هو انتقالنا من سؤال:
كيف نعالج أعراض التوحد؟
إلى سؤال أكثر عمقًا:
لماذا يظهر التوحد بشكل مختلف من طفل إلى آخر، وما العوامل البيولوجية التي يمكن أن تؤثر على تطور كل طفل؟

وهذا الفهم الحديث هو الذي يفتح آفاقًا جديدة للتشخيص المبكر والتدخل الأكثر دقة وفعالية في المستقبل.

أسئلة حول التخاطب والتواصل

  • يربط كثير من الناس بين التوحد وتأخر الكلام فقط، كيف تفسرون العلاقة بين اضطراب التواصل والتوحد بصورة علمية؟

من أكثر المفاهيم شيوعًا أن التوحد يعني فقط “تأخر الكلام”، وهذا غير دقيق من الناحية العلمية. فالتوحد في جوهره هو اضطراب في التواصل الاجتماعي والتفاعل الاجتماعي، بينما تأخر الكلام قد يكون أحد مظاهره فقط.

فالطفل قد يتعلم نطق الكلمات، لكنه يواجه صعوبة في استخدامها للتواصل مع الآخرين. ولذلك نجد بعض الأطفال المصابين بالتوحد يمتلكون حصيلة لغوية جيدة أو حتى قدرة على القراءة، لكنهم يواجهون صعوبات في فهم الإشارات الاجتماعية أو إدارة الحوار أو التعبير عن المشاعر وفهم مشاعر الآخرين.التواصل الإنساني لا يعتمد على الكلمات فقط، بل يشمل التواصل البصري، والإيماءات، وتعبيرات الوجه، والانتباه المشترك، وفهم السياق الاجتماعي. وهذه الجوانب تمثل تحديًا رئيسيًا لدى كثير من الأطفال المصابين بالتوحد.

ومن هنا يأتي دور أخصائي التخاطب الحديث، الذي لم يعد يقتصر على تدريب الطفل على نطق الكلمات، بل يعمل على بناء منظومة التواصل بالكامل، بما يشمل اللغة والفهم والتفاعل الاجتماعي ومهارات الحوار والتواصل الوظيفي في الحياة اليومية.وأود التأكيد على نقطة مهمة، وهي أن بعض الأطفال المصابين بالتوحد قد يتحدثون بطلاقة، ومع ذلك يستمر لديهم اضطراب واضح في التواصل الاجتماعي. لذلك فإن التوحد ليس اضطراب كلام فقط، بل هو اضطراب في كيفية استخدام اللغة والتواصل والتفاعل مع العالم من حولنا.لهذا السبب أصبحنا ننظر اليوم إلى اللغة والتواصل باعتبارهما أحد أهم المؤشرات التي تساعدنا على فهم احتياجات الطفل ووضع خطة تدخل مبكر تساعده على تطوير قدراته الاجتماعية والأكاديمية والاستقلالية في المستقبل.

  • الأخطاء الشائعة التي يقع فيها الأهالي أثناء محاولة تعليم الطفل التواصل أو تطوير اللغة؟

من خلال خبرتي التي تزيد على 25 عامًا في مجال التخاطب والتوحد، ألاحظ أن معظم الأهالي يبذلون جهدًا كبيرًا لمساعدة أطفالهم، لكن بعض الممارسات الشائعة قد تؤخر تطور التواصل واللغة دون قصد.

أول هذه الأخطاء هو التركيز على عدد الكلمات التي ينطقها الطفل أكثر من التركيز على قدرته على التواصل. فالتواصل يبدأ قبل الكلام، من خلال التواصل البصري، والانتباه المشترك، والإشارة، والتفاعل الاجتماعي. لذلك فإن تعليم الطفل نطق الكلمات دون بناء مهارات التواصل الأساسية قد لا يحقق النتائج المرجوة.

ومن الأخطاء الشائعة أيضًا توقع استجابة فورية من الطفل أو الضغط عليه للتحدث باستمرار. بعض الأسر تكرر السؤال عشرات المرات: “قل ماما”، “قل بابا”، “قل شكراً”، فيتحول التواصل إلى اختبار متكرر بدلاً من أن يكون تجربة ممتعة وطبيعية.

كما يقع بعض الأهالي في خطأ تلبية جميع احتياجات الطفل قبل أن يمنحوه فرصة للتواصل. فعندما يحصل الطفل على كل ما يريد بمجرد الإشارة أو البكاء أو حتى قبل أن يطلبه، تقل حاجته لاستخدام اللغة أو وسائل التواصل الأخرى.

ومن الأخطاء المهمة كذلك الإفراط في استخدام الشاشات والأجهزة الإلكترونية كوسيلة للتعليم اللغوي. فرغم أن بعض البرامج قد تحتوي على محتوى تعليمي، فإن اللغة الحقيقية تتطور من خلال التفاعل المباشر مع الأشخاص وليس من خلال التواصل أحادي الاتجاه مع الشاشة.

كذلك يعتقد بعض الأهالي أن الكلام سيظهر تلقائيًا مع الوقت دون الحاجة إلى تقييم متخصص، مما يؤدي أحيانًا إلى تأخير التشخيص والتدخل المبكر. وكلما بدأ التدخل في وقت مبكر كانت فرص التطور اللغوي والاجتماعي أفضل.

وأؤكد دائمًا للأسر أن الهدف ليس أن يحفظ الطفل الكلمات، بل أن يتعلم استخدامها للتواصل والتعبير عن احتياجاته ومشاعره وأفكاره. فاللغة ليست مجموعة كلمات فقط، بل وسيلة لبناء العلاقات والتفاعل مع العالم.

وأحب أن أختصر الأمر في عبارة واحدة:
“الأطفال يتعلمون التواصل من خلال التواصل، وليس من خلال التلقين فقط.”

٣-أحدث الأساليب العلاجية المستخدمة عالميًا لتحسين مهارات التواصل لدى الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد؟

خلال السنوات الأخيرة شهد مجال التوحد والتخاطب تطورًا كبيرًا، وأصبح التركيز العالمي لا يقتصر على تعليم الطفل نطق الكلمات فقط، بل على بناء مهارات التواصل الوظيفي والاجتماعي التي تمكنه من التفاعل مع أسرته ومجتمعه.

ومن أهم الأساليب الحديثة المستخدمة عالميًا:

أولًا: التدخل المبكر (Early Intervention)
ويُعد من أهم العوامل التي تؤثر على مستقبل الطفل. فكلما بدأ التدريب والتأهيل في عمر أصغر كانت فرص تحسين اللغة والتواصل أكبر.

ثانيًا: التدريب القائم على التفاعل الاجتماعي (Naturalistic Developmental Behavioral Interventions)
وهي برامج حديثة تعتمد على استغلال المواقف اليومية واللعب والتفاعل الطبيعي لتحفيز التواصل، بدلاً من الاعتماد فقط على الجلسات التقليدية.

ثالثًا: التواصل البديل والمعزز (AAC)
ويشمل استخدام الصور أو الأجهزة اللوحية أو برامج التواصل الإلكترونية للأطفال الذين يعانون من صعوبات كبيرة في التعبير اللفظي، بهدف تمكينهم من التواصل الفعال وتقليل الإحباط السلوكي.

رابعًا: تدريب الوالدين والأسرة
تشير الدراسات الحديثة إلى أن الأسرة جزء أساسي من العلاج. فالطفل يقضي معظم وقته مع أسرته، ولذلك فإن تدريب الوالدين على استراتيجيات التواصل أصبح عنصرًا رئيسيًا في البرامج العلاجية المتقدمة.

خامسًا: استخدام التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي
بدأت بعض المراكز العالمية في الاستفادة من التطبيقات الذكية والبرامج الرقمية لدعم مهارات اللغة والانتباه والتواصل، مع التأكيد على أن التكنولوجيا تظل وسيلة مساعدة ولا يمكن أن تحل محل التفاعل الإنساني المباشر.

كما أن الأبحاث الحديثة تتجه نحو فهم العوامل البيولوجية والطبية المصاحبة للتوحد، مثل العوامل الوراثية والمناعية والاستقلابية، بهدف تقديم تدخلات أكثر دقة تتناسب مع احتياجات كل طفل.

وفي رأيي، فإن الاتجاه العالمي اليوم يقوم على مبدأ مهم جدًا:
“لا يوجد برنامج واحد يناسب جميع الأطفال المصابين بالتوحد، بل يجب تصميم خطة علاجية فردية تتناسب مع نقاط القوة والتحديات الخاصة بكل طفل.”

ولذلك فإن نجاح العلاج لا يعتمد على طريقة واحدة، بل على تكامل التدخلات الطبية والتأهيلية والتعليمية والأسَرية لتحقيق أفضل النتائج الممكنة للطفل.

أسئلة حول الأسرة ودورها

١-. ذكرتم أن فهم الطفل بشكل متكامل هو مفتاح العلاج، فكيف يمكن للأسرة أن تكون جزءًا فاعلًا من الخطة العلاجية اليومية؟

أؤمن بأن الأسرة ليست جزءًا من الخطة العلاجية فقط، بل هي الركيزة الأساسية لنجاح أي برنامج تأهيلي. فالطفل قد يقضي ساعة أو ساعتين أسبوعيًا مع الأخصائي، لكنه يقضي عشرات الساعات يوميًا مع أسرته، ولذلك فإن تأثير الأسرة يفوق أحيانًا تأثير الجلسات نفسها.

الأسرة الفاعلة لا تقتصر مهمتها على إحضار الطفل إلى الجلسات، بل تصبح شريكًا حقيقيًا في تنفيذ الأهداف العلاجية داخل المنزل وفي الحياة اليومية. فعلى سبيل المثال، يمكن تحويل أوقات الطعام واللعب والملابس والخروج إلى فرص طبيعية لتدريب الطفل على التواصل واللغة والتفاعل الاجتماعي.

ومن المهم أن يدرك الوالدان أن الهدف ليس زيادة عدد الكلمات فقط، بل تشجيع الطفل على المبادرة بالتواصل، وطلب احتياجاته، والتفاعل مع الآخرين، والمشاركة في الأنشطة اليومية. ولذلك فإننا نحرص دائمًا على تدريب الأسرة على استراتيجيات بسيطة يمكن تطبيقها في المنزل بشكل مستمر.

كما أن ملاحظة الأسرة للتغيرات السلوكية واللغوية والصحية لدى الطفل تساعد الفريق العلاجي على تعديل الخطة وفق احتياجاته الحقيقية. فالوالدان هما المصدر الأهم للمعلومات حول أداء الطفل في بيئته الطبيعية.

ومن واقع خبرتي، فإن الأطفال الذين تحقق أسرهم مشاركة فعالة في البرنامج العلاجي غالبًا ما يحققون تقدمًا أسرع وأكثر استقرارًا من الأطفال الذين يعتمدون فقط على الجلسات المتخصصة.

وأحب دائمًا أن أقول للأسر:

“لا تجعلوا العلاج يقتصر على غرفة الجلسة، بل اجعلوا الحياة كلها فرصة للتواصل والتعلم.”

فعندما تصبح الأسرة جزءًا من العلاج، يصبح كل موقف يومي فرصة لبناء اللغة والتواصل والاستقلالية لدى الطفل.

٢-. ما الرسالة التي تودون توجيهها للأسر التي تشعر بالإحباط بعد سنوات من العلاج دون الوصول للنتائج التي تأملها؟

أود أن أقول لكل أسرة تشعر بالإحباط بعد سنوات من العلاج: أفهم تمامًا حجم التحديات التي تواجهونها، وأدرك أن رحلة التوحد ليست سهلة، لكنها في الوقت نفسه ليست رحلة بلا أمل.

من خلال عملي مع مئات الأطفال على مدار أكثر من 25 عامًا، تعلمت أن التقدم في التوحد لا يُقاس دائمًا بالخطوات الكبيرة والسريعة، بل غالبًا ما يتحقق من خلال إنجازات صغيرة تتراكم مع الوقت لتصنع فرقًا حقيقيًا في حياة الطفل.

أحيانًا يركز الأهل على هدف كبير مثل الكلام أو الدراسة أو الاستقلالية، فيشعرون بالإحباط عندما لا يتحقق بالسرعة التي يتمنونها، بينما قد يكون الطفل قد أحرز تقدمًا مهمًا في التواصل البصري أو الفهم أو التفاعل الاجتماعي أو القدرة على التعبير عن احتياجاته. هذه الإنجازات الصغيرة هي الأساس الذي يُبنى عليه التطور الأكبر لاحقًا.

كما أنني أؤمن بأن كل طفل لديه مساره الخاص. فمقارنة الطفل بغيره قد تزيد من شعور الأسرة بالإحباط، بينما الأهم هو مقارنة الطفل بنفسه وملاحظة ما اكتسبه من مهارات وما حققه من تقدم مع مرور الوقت.

وأود أن أؤكد أيضًا أن التوحد ليس حالة ثابتة، بل هو حالة ديناميكية تتأثر بالتدخل المبكر وجودة البرامج العلاجية ودور الأسرة والعوامل الصحية والتعليمية المحيطة بالطفل. لذلك فإن استمرار التقييم وإعادة النظر في الخطة العلاجية من وقت لآخر أمر بالغ الأهمية.

رسالتي للأسر هي: لا تفقدوا الأمل، ولا تجعلوا التقدم البطيء يُشعركم بأن الجهود ضاعت. ففي كثير من الحالات التي تابعتها، جاءت التحولات الحقيقية بعد سنوات من العمل المتواصل والصبر والإيمان بقدرات الطفل.

وأقول دائمًا للأهالي:

“لا تقيسوا نجاح الطفل بمدى وصوله إلى مستوى الآخرين، بل بمدى تقدمه مقارنة بما كان عليه بالأمس.”

فكل مهارة جديدة يكتسبها الطفل، وكل خطوة نحو التواصل والاستقلالية، هي نجاح يستحق الاحتفال ويقربه أكثر من تحقيق إمكاناته الحقيقية.

٣-. كيف يمكن للأهل تحقيق التوازن بين تقبل حالة الطفل والسعي المستمر لتطوير مهاراته؟

أعتقد أن هذا من أهم التحديات التي تواجه أسر الأطفال المصابين بالتوحد. فبعض الأسر تقع في أحد طرفين؛ إما أن تستسلم للحالة وتفقد الدافع للعمل مع الطفل، أو أن تعيش في حالة ضغط مستمر بحثًا عن نتائج سريعة، مما ينعكس سلبًا على الأسرة والطفل معًا.

التوازن الحقيقي يبدأ من فهم أن تقبل الطفل لا يعني الاستسلام للواقع، كما أن السعي لتطويره لا يعني رفضه أو عدم الرضا عنه. فالطفل يحتاج أن يشعر بأنه محبوب ومقبول كما هو، وفي الوقت نفسه يحتاج إلى فرص مستمرة للتعلم والتطور واكتساب مهارات جديدة.

أنصح الأسر بأن تنظر إلى التوحد كرحلة طويلة وليست سباقًا قصيرًا. الهدف ليس الوصول السريع إلى نتيجة معينة، بل بناء المهارات خطوة بخطوة بطريقة واقعية ومستدامة. عندما يشعر الطفل بالأمان والدعم والقبول، يكون أكثر استعدادًا للتعلم والتفاعل والتقدم.

كما أن من المهم أن تحتفل الأسرة بالإنجازات الصغيرة. فالنظر إلى ما ينقص الطفل فقط قد يولد الإحباط، بينما ملاحظة التقدم مهما كان بسيطًا تعطي الأسرة والطفل دافعًا للاستمرار.

وأؤكد دائمًا أن التوقعات الواقعية هي جزء أساسي من النجاح. فكل طفل لديه قدراته الخاصة وسرعته الخاصة في التعلم، وما يناسب طفلًا قد لا يناسب طفلًا آخر. لذلك يجب أن تكون الأهداف فردية ومبنية على إمكانات الطفل وليس على مقارنته بالآخرين.

وفي النهاية، أرى أن أفضل معادلة يمكن أن تتبناها الأسرة هي:

“نقبل طفلنا كما هو اليوم، ونعمل بكل ما نستطيع ليساعده على أن يكون أفضل غدًا.”

فالتقبل يمنح الطفل الثقة والأمان، والعمل المستمر يمنحه فرصة النمو والتطور، ونجاح الأسرة يكمن في الجمع بين الأمرين معًا.

أسئلة بحثية وعلمية متقدمة

١-. من خلال أبحاثكم وتعاونكم العلمي مع البروفيسور ريتشارد فراي، ما أبرز المستجدات العلمية الواعدة في فهم أسباب التوحد؟

شهدت السنوات الأخيرة تطورًا كبيرًا في فهمنا لاضطراب طيف التوحد، وأصبح واضحًا أن التوحد ليس اضطرابًا ذا سبب واحد، بل هو مجموعة من الاضطرابات النمائية العصبية التي تتداخل فيها عوامل وراثية وبيولوجية ومناعية وبيئية متعددة.

ومن خلال متابعتي للأبحاث الحديثة وتعاوني العلمي مع البروفيسور ريتشارد فراي، يمكن القول إن أحد أهم المستجدات هو الانتقال من التركيز على الأعراض السلوكية فقط إلى محاولة فهم البيولوجيا الكامنة وراء هذه الأعراض.

فعلى سبيل المثال، كشفت الدراسات الحديثة عن دور مهم لبعض العوامل مثل:

  • التغيرات الجينية والوراثية التي تؤثر على نمو الدماغ ووظائفه.
  • اضطرابات مسارات الفولات والميثيليشن لدى بعض الأطفال، والتي قد تؤثر على تطور اللغة والتواصل.
  • اضطرابات الميتوكوندريا وإنتاج الطاقة داخل الخلايا العصبية.
  • دور الجهاز المناعي والالتهابات العصبية منخفضة الدرجة.
  • العلاقة المتزايدة بين الجهاز الهضمي والدماغ، أو ما يعرف بمحور الأمعاء–الدماغ (Gut-Brain Axis).

ومن أهم ما تعلمناه خلال السنوات الأخيرة أن أطفال التوحد ليسوا مجموعة واحدة متشابهة، بل توجد أنماط بيولوجية مختلفة داخل الطيف. ولهذا السبب قد يستجيب طفل لنوع معين من التدخل بينما لا يستجيب طفل آخر للتدخل نفسه.

كما أن بعض الأبحاث الواعدة تركز حاليًا على تحديد المؤشرات الحيوية (Biomarkers) التي تساعدنا على فهم خصائص كل طفل بصورة أدق، مما قد يسمح مستقبلًا بتقديم تدخلات أكثر تخصيصًا وفعالية.

ومن المهم التأكيد على أن هذه الاكتشافات لا تعني وجود علاج واحد أو نهائي للتوحد، لكنها تساعدنا على فهم الطفل بصورة أشمل، واكتشاف العوامل القابلة للتعديل التي قد تسهم في تحسين اللغة والتواصل والانتباه والسلوك لدى بعض الأطفال.

وأعتقد أن الاتجاه الأكثر أهمية في السنوات القادمة هو ما يسمى بالطب الشخصي (Personalized Medicine)، أي الانتقال من نموذج “علاج واحد للجميع” إلى نموذج يعتمد على فهم الخصائص البيولوجية الفريدة لكل طفل، وتصميم خطة تدخل تناسب احتياجاته الفردية.

إن الرسالة الأساسية التي تحملها الأبحاث الحديثة هي أن التوحد أكثر تعقيدًا مما كنا نعتقد، لكن فهم هذا التعقيد يفتح لنا آفاقًا جديدة للتشخيص المبكر والتدخل الأكثر دقة وفعالية.

٢-أشرتم إلى وجود عوامل مناعية واستقلابية وعصبية مرتبطة بالتوحد، كيف يؤثر هذا الفهم على أساليب التشخيص والعلاج الحديثة؟

لقد أحدث هذا الفهم تحولًا مهمًا في طريقة تعاملنا مع اضطراب طيف التوحد. ففي الماضي كان التشخيص يعتمد بشكل أساسي على ملاحظة السلوك والأعراض الظاهرة، مثل تأخر اللغة وضعف التواصل والسلوكيات التكرارية. أما اليوم، فأصبحنا ننظر إلى الطفل بصورة أكثر شمولًا، ونسعى إلى فهم العوامل البيولوجية التي قد تسهم في ظهور هذه الأعراض أو تزيد من شدتها.

فعندما تشير الدراسات إلى وجود عوامل مناعية أو استقلابية أو عصبية لدى بعض الأطفال، فإن ذلك يدفعنا إلى توسيع نطاق التقييم ليشمل التاريخ الطبي، والفحوصات المخبرية، والتحاليل الجينية عند الحاجة، بالإضافة إلى التقييم التقليدي للغة والسلوك والتواصل.

وهذا لا يعني أن التوحد أصبح مرضًا يمكن تشخيصه بتحليل واحد أو فحص مخبري محدد، لكنه يعني أننا أصبحنا أكثر قدرة على اكتشاف الحالات التي قد توجد لديها عوامل بيولوجية مصاحبة يمكن التعامل معها بشكل أفضل.

على سبيل المثال، أظهرت بعض الدراسات وجود اضطرابات في مسارات الفولات والميثيليشن، أو مشكلات في إنتاج الطاقة داخل الخلايا العصبية، أو اضطرابات مناعية لدى مجموعات فرعية من الأطفال. هذه الاكتشافات ساعدت الباحثين على تطوير مفهوم “الطب الشخصي” في التوحد، حيث لا يتم التعامل مع جميع الأطفال بالطريقة نفسها، بل يتم تصميم خطة تقييم وعلاج تتناسب مع احتياجات كل طفل.

أما على مستوى العلاج، فقد أصبح الاتجاه الحديث قائمًا على التكامل بين عدة محاور:

  • التدخلات السلوكية والتربوية.
  • علاج اضطرابات اللغة والتواصل.
  • معالجة المشكلات الصحية المصاحبة مثل اضطرابات النوم أو الجهاز الهضمي.
  • تقييم العوامل البيولوجية التي قد تؤثر على تطور الطفل عند الحاجة.

وأعتقد أن أهم ما قدمه هذا الفهم الحديث هو أنه نقلنا من سؤال:
“كيف نعالج أعراض التوحد؟”

إلى سؤال أكثر عمقًا:

“ما العوامل التي تؤثر على هذا الطفل تحديدًا، وكيف يمكن أن نساعده بأفضل صورة ممكنة؟”

وهذا التوجه يفتح الباب أمام خطط علاجية أكثر دقة وواقعية، ويمنح الأسر فهمًا أعمق لاحتياجات أطفالهم بعيدًا عن فكرة وجود حل واحد يناسب جميع الحالات.

.٣- هل تتوقعون خلال السنوات القادمة ظهور علاجات أكثر دقة تستهدف الأسباب البيولوجية للتوحد بدل التركيز على الأعراض فقط؟

أعتقد أن الإجابة هي نعم، ولكن مع بعض التحفظ العلمي. فمن غير المتوقع أن يظهر خلال السنوات القادمة “علاج واحد” يقضي على جميع حالات التوحد، لأننا أصبحنا ندرك أن التوحد ليس مرضًا واحدًا له سبب واحد، بل مجموعة من الحالات التي تتداخل فيها عوامل وراثية وعصبية ومناعية واستقلابية متعددة.

لكن ما أتوقعه، وما تشير إليه الأبحاث الحديثة بالفعل، هو ظهور علاجات أكثر دقة تستهدف مجموعات فرعية محددة من الأطفال بناءً على خصائصهم البيولوجية. وهذا هو الاتجاه الذي يعرف اليوم باسم الطب الشخصي (Personalized Medicine) أو الطب الدقيق (Precision Medicine).

فعلى سبيل المثال، بدأت الدراسات تتناول فئات من الأطفال لديهم:

  • اضطرابات في مسارات الفولات والميثيليشن.
  • خلل في وظائف الميتوكوندريا وإنتاج الطاقة.
  • اضطرابات مناعية أو التهابات عصبية.
  • متلازمات جينية محددة مرتبطة بالتوحد.

وفي هذه الحالات قد يكون من الممكن مستقبلاً تصميم تدخلات أكثر استهدافًا بناءً على الآليات البيولوجية الموجودة لدى كل طفل، بدلاً من الاعتماد فقط على التدخلات السلوكية والتأهيلية التقليدية.

كما أن التطور السريع في مجالات الجينات، والذكاء الاصطناعي، وتحليل المؤشرات الحيوية (Biomarkers)، قد يساعدنا على تصنيف الأطفال بصورة أكثر دقة، والتنبؤ بالعلاجات التي قد تكون أكثر فاعلية لكل حالة.

ومع ذلك، من المهم التأكيد على أن التدخلات التأهيلية، مثل التخاطب والتدريب السلوكي والتعليم المتخصص، ستظل عنصرًا أساسيًا في العلاج حتى مع ظهور هذه التطورات الطبية. فالهدف ليس استبدال التأهيل، بل دعمه بفهم بيولوجي أعمق يساعد الطفل على الاستفادة القصوى من البرامج العلاجية.

وأعتقد أن أكبر تغيير سنشهده خلال السنوات القادمة هو الانتقال من تشخيص عام باسم “التوحد” إلى فهم أن داخل هذا التشخيص توجد أنماط بيولوجية مختلفة، لكل منها احتياجاتها وأساليب التعامل معها.

بمعنى آخر، قد لا نتحدث مستقبلاً عن “علاج التوحد” بقدر ما سنتحدث عن “علاج المسارات البيولوجية المختلفة المرتبطة بالتوحد” لدى كل طفل على حدة.

وهذا يمثل نقلة نوعية في التفكير العلمي، وقد يفتح آفاقًا جديدة لتحسين جودة الحياة والقدرات الوظيفية والتواصلية لدى العديد من الأطفال.

٤. ما أبرز القضايا البحثية التي ما زالت تحتاج إلى دراسات أعمق في العالم العربي؟

أعتقد أن العالم العربي يمتلك فرصة كبيرة للمساهمة في أبحاث التوحد خلال السنوات القادمة، لكن ما زالت هناك عدة قضايا تحتاج إلى دراسات أعمق وأكثر تنظيمًا.

أولًا: دراسات الانتشار والوبائيات (Epidemiology)
ما زلنا بحاجة إلى بيانات دقيقة حول معدلات انتشار التوحد في الدول العربية. فالكثير من الدراسات تشير إلى وجود نقص في البيانات السكانية واسعة النطاق، مما يجعل من الصعب تقدير الحجم الحقيقي للمشكلة ووضع خطط صحية وتعليمية مناسبة.

ثانيًا: العوامل الوراثية والبيولوجية في المجتمعات العربية
لدينا خصائص سكانية مختلفة عن كثير من الدول الغربية، بما في ذلك الأنماط الجينية والعوامل العائلية. لذلك نحتاج إلى مزيد من الدراسات الجينية والبيولوجية لفهم ما إذا كانت هناك عوامل خاصة بمجتمعاتنا قد تؤثر على ظهور التوحد أو خصائصه السريرية.

ثالثًا: التشخيص المبكر وأدوات التقييم العربية
لا يزال هناك احتياج لتطوير أدوات تشخيص وتقييم مقننة ومبنية على البيئة والثقافة العربية، بحيث تكون أكثر دقة في اكتشاف الأطفال المعرضين للخطر في سن مبكرة. كما أن العديد من الباحثين أشاروا إلى الحاجة لأدوات أكثر ملاءمة للسياق الثقافي العربي.

رابعًا: العلاقة بين الجهاز الهضمي والدماغ والعوامل الاستقلابية
مع تزايد الاهتمام عالميًا بمحور الأمعاء–الدماغ والعوامل المناعية والاستقلابية، ما زلنا بحاجة إلى دراسات عربية كبيرة تستكشف مدى انتشار هذه العوامل بين أطفال التوحد في منطقتنا وتأثيرها على الأعراض والاستجابة للتدخلات المختلفة.

خامسًا: نتائج التدخلات العلاجية طويلة المدى
لدينا نقص نسبي في الدراسات التي تتابع الأطفال لسنوات طويلة لمعرفة تأثير برامج التخاطب والتدخل المبكر والتعليم الدامج والتأهيل السلوكي على جودة الحياة والاستقلالية في مرحلة المراهقة والبلوغ. كما أن هناك حاجة لمزيد من الأبحاث حول فعالية الخدمات المتاحة في المنطقة.

سادسًا: دور الأسرة وجودة الحياة
نحتاج إلى فهم أعمق للتحديات النفسية والاجتماعية والاقتصادية التي تواجه الأسر العربية، وكيف يمكن تطوير برامج دعم وإرشاد تتناسب مع ثقافتنا واحتياجاتنا المحلية.

وأخيرًا، أرى أن القضية الأهم ليست فقط زيادة عدد الأبحاث، بل بناء شراكات بحثية عربية ودولية قوية، وإنشاء قواعد بيانات ومراكز أبحاث متخصصة تسمح لنا بإنتاج معرفة علمية تنطلق من واقع أطفالنا وأسرنا.

فالعالم العربي لا يحتاج فقط إلى استيراد المعرفة، بل يمتلك القدرة على أن يكون مساهمًا حقيقيًا في إنتاج المعرفة العلمية المتعلقة بالتوحد خلال السنوات القادمة.

أسئلة شخصية ومهنية

  • ما أكثر حالة إنسانية أثرت فيكم خلال مسيرتكم المهنية وغيرت نظرتكم للتوحد؟

على مدار أكثر من 25 عامًا من العمل مع الأطفال المصابين بالتوحد وأسرهم، مررت بالعديد من المواقف الإنسانية المؤثرة، لكن هناك حالة لا تزال حاضرة في ذاكرتي حتى اليوم لأنها غيرت كثيرًا من طريقة نظرتي إلى التوحد.

كان لطفل يعاني من تأخر شديد في اللغة والتواصل،, و تم تشخيصة باضطراب طيف التوحد وكانت أسرته تعيش حالة من القلق والإحباط بسبب محدودية قدرته على التعبير عن احتياجاته ومشاعره. في بداية متابعتي له كان كثيرون يركزون على ما لا يستطيع فعله، وعلى المهارات التي يفتقدها مقارنة بالأطفال الآخرين.

لكن مع الوقت، ومن خلال العمل المستمر والتعاون الوثيق مع الأسرة، بدأنا نكتشف جوانب قوة لم تكن ظاهرة في البداية. ورغم أن تقدمه كان بطيئًا، إلا أن كل خطوة صغيرة كان يحققها كانت تحمل معنى كبيرًا للأسرة وللفريق المعالج. وبعد سنوات من المتابعة رأينا طفلًا مختلفًا؛ ليس لأنه أصبح مثل الآخرين، بل لأنه استطاع أن يطور قدراته الخاصة ويحقق مستوى من التواصل والاستقلالية لم يكن أحد يتوقعه في البداية.

هذه التجربة علمتني درسًا مهمًا جدًا: أن التوحد لا يمكن اختزاله في قائمة من الأعراض أو التحديات. خلف كل تشخيص يوجد طفل له شخصيته وقدراته وأحلامه وطريقته الخاصة في فهم العالم.

ومنذ ذلك الوقت أصبحت أكثر اقتناعًا بأن دورنا كمتخصصين لا يقتصر على علاج الأعراض، بل على اكتشاف إمكانات الطفل ومساعدة الأسرة على رؤيتها أيضًا. ففي كثير من الأحيان يكون التحدي الأكبر ليس ما يعانيه الطفل، بل أن نمنح من حوله القدرة على رؤية ما يستطيع أن يقدمه..ولهذا أقول دائمًا إن كل طفل توحد علّمني شيئًا جديدًا، لكن أكثر ما تعلمته منهم هو ألا نحكم على إمكانات الطفل من خلال ما نراه اليوم فقط، بل من خلال ما يمكن أن يصبح عليه في المستقبل.

  • بعد سنوات طويلة من العمل مع الأطفال وأسرهم، ما الذي تعلمتموه من هؤلاء الأطفال أكثر مما علمتموهم؟

إذا سألني أحد بعد أكثر من 25 عامًا في مجال التوحد والتخاطب: ماذا تعلمت من الأطفال أكثر مما علمتهم؟ فسأقول إنهم علموني أشياء لا تُدرّس في الكتب ولا تُكتسب من المؤتمرات أو الشهادات العلمية .علموني أولًا أن التواصل أعمق بكثير من الكلمات. فقد قابلت أطفالًا كانت لديهم صعوبة في الكلام، لكنهم استطاعوا أن يعبروا عن مشاعرهم واحتياجاتهم بطرق جعلتني أدرك أن الإنسان يمكن أن يتواصل بعيونه وابتسامته وتصرفاته قبل أن يتواصل بصوته.

وعلموني الصبر الحقيقي. ففي عالم يسعى الجميع فيه إلى النتائج السريعة، تعلمت من هؤلاء الأطفال أن التقدم قد يأتي بخطوات صغيرة جدًا، لكنها خطوات تحمل قيمة عظيمة إذا نظرنا إليها بعين الفهم والإنسانية.

كما تعلمت منهم ألا أحكم على قدرات أي طفل من انطباع أول أو من تشخيص مكتوب في ملف طبي. كثير من الأطفال فاجأونا بقدرات وإنجازات لم يكن أحد يتوقعها، فقط لأن هناك من آمن بهم وأعطاهم الفرصة المناسبة.وتعلمت أيضًا من أسرهم معنى الإصرار والأمل. فخلف كل طفل رحلة طويلة من الحب والتحديات والتضحيات، وهذه الرحلات الإنسانية كانت مصدر إلهام كبير لي طوال مسيرتي المهنية.

لكن ربما أهم درس تعلمته هو أن الاختلاف لا يعني النقص. فكل طفل ينظر إلى العالم بطريقة مختلفة، ودورنا ليس أن نجعله نسخة من الآخرين، بل أن نساعده على اكتشاف نقاط قوته والتعبير عن إمكاناته بطريقته الخاصة.لذلك أستطيع أن أقول بكل صدق إنني لم أكن فقط معلمًا أو معالجًا لهؤلاء الأطفال، بل كنت أيضًا متعلمًا منهم. فقد علموني أن الإنسانية لا تُقاس بكمية الكلام، بل بقدرتنا على الفهم والتعاطف ورؤية الجمال في الاختلاف.وفي نهاية الرحلة، أجد نفسي مدينًا لهم بالكثير؛ لأنهم لم يغيروا فقط حياة أسرهم، بل غيروا أيضًا نظرتي للحياة وللإنسان وللمعنى الحقيقي للتواصل.

. ٣- لو طلبنا منكم تلخيص أهم نصيحة لكل أسرة لديها طفل مصاب بالتوحد في جملة واحدة، فماذا ستكون؟

آمنوا بقدرات أطفالكم، وركزوا على التقدم لا على المقارنة، فكل خطوة صغيرة اليوم قد تصنع فرقًا كبيرًا في مستقبلهم.”

رسالتي لكل أسرة هي ألا تجعل تشخيص التوحد يحدد سقف توقعاتها من طفلها، بل ليكن بداية لفهمه بصورة أفضل ومساعدته على الوصول إلى أقصى إمكاناته.

فالأمل ليس مجرد شعور إيجابي، بل هو جزء من العلاج نفسه.

  • ما الإنجاز المهني الذي تعتز به أكثر في رحلتكم العلمية والعملية؟

إذا كان هناك إنجاز مهني أعتز به أكثر من غيره، فهو أنني استطعت على مدار أكثر من 25 عامًا أن أكون جزءًا من رحلة التغيير في حياة مئات الأطفال وأسرهم، وأن أساهم في بناء جسور التواصل والأمل بينهم وبين العالم من حولهم.

فعلى المستوى الأكاديمي، أعتز بمسيرتي كأستاذ لأمراض التخاطب بكلية الطب، وبمشاركتي في تدريب أجيال من المتخصصين الذين يعملون اليوم في خدمة الأطفال ذوي اضطرابات التواصل والتوحد في العديد من المؤسسات والمراكز.وعلى المستوى المهني، أعتز بتطوير رؤية متكاملة تجمع بين علوم التخاطب الحديثة والفهم الطبي والبيولوجي لاضطراب طيف التوحد، إيمانًا مني بأن الطفل لا يجب أن يُنظر إليه من زاوية واحدة، بل من خلال فهم شامل لاحتياجاته اللغوية والسلوكية والطبية والنمائية.

كما أعتز بتعاوني العلمي مع عدد من الباحثين الدوليين في مجال التوحد، ومن بينهم البروفيسور ريتشارد فراي، وما أتاحه ذلك من فرصة للاطلاع على أحدث الاتجاهات العلمية العالمية ونقل المعرفة والخبرة بما يخدم أطفالنا وأسرنا في المنطقة العربية.

لكن إذا أردت أن أختصر الإنجاز الذي أعتز به في عبارة واحدة، فسأقول:

أكبر إنجاز بالنسبة لي ليس عدد الأبحاث أو المناصب التي حصلت عليها، بل عدد الأطفال الذين استطاعوا أن يجدوا صوتهم ويتواصلوا مع العالم بصورة أفضل.”

فكل طفل يبدأ في التعبير عن احتياجاته، وكل أسرة تستعيد الأمل في مستقبل ابنها، يمثل بالنسبة لي نجاحًا حقيقيًا يفوق أي إنجاز مهني آخر.

٥- كيف ترون مستقبل خدمات التوحد والتخاطب في المملكة العربية السعودية خلال السنوات القادمة؟

أرى أن مستقبل خدمات التوحد والتخاطب في المملكة العربية السعودية واعد للغاية، وذلك بفضل الدعم الكبير الذي يشهده القطاع الصحي والتعليمي ضمن رؤية المملكة 2030، والاهتمام المتزايد بتحسين جودة الحياة والخدمات المقدمة للأشخاص ذوي الإعاقة وأسرهم.

خلال السنوات الأخيرة لمسنا تطورًا واضحًا في عدد المراكز المتخصصة، وارتفاع مستوى الوعي المجتمعي، وزيادة الاستثمار في الكوادر الوطنية المؤهلة. كما أصبحت المملكة من أكثر الدول في المنطقة اهتمامًا ببرامج التدخل المبكر، والدمج التعليمي، وتطوير الخدمات التأهيلية المتخصصة.

وأتوقع خلال السنوات القادمة أن نشهد عدة تطورات مهمة، من أبرزها:

  • التوسع في برامج الكشف والتشخيص المبكر للأطفال.
  • زيادة الاعتماد على الفرق متعددة التخصصات التي تجمع بين الأطباء وأخصائيي التخاطب وعلم النفس والعلاج الوظيفي والتربية الخاصة.
  • استخدام أكبر للتقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي في التقييم والتأهيل.
  • تطوير برامج تدريب وتأهيل متقدمة للكوادر السعودية المتخصصة.
  • زيادة الاهتمام بالأبحاث العلمية والدراسات المحلية المتعلقة بالتوحد.

كما أعتقد أن المرحلة القادمة ستشهد تحولًا مهمًا نحو النماذج المتكاملة للرعاية، بحيث لا يقتصر دور المركز على تقديم الجلسات فقط، بل يشمل التقييم الشامل والدعم الأسري والمتابعة التعليمية وفهم العوامل الطبية والبيولوجية التي قد تؤثر على تطور الطفل.

ومن وجهة نظري، فإن المملكة تمتلك كل المقومات لتصبح مركزًا إقليميًا رائدًا في مجال التوحد والتأهيل خلال السنوات المقبلة، خاصة مع توفر الدعم المؤسسي والكوادر المتخصصة والرؤية الطموحة لتطوير الخدمات الصحية والإنسانية.

وأتمنى أن أرى في المستقبل القريب المزيد من المراكز التي تتبنى مفهوم الرعاية المتكاملة، حيث يجتمع العلم والخبرة والتكنولوجيا لخدمة الطفل والأسرة في إطار واحد.

فالمستقبل لا يتعلق فقط بزيادة عدد الخدمات، بل بتحسين جودتها وفاعليتها وقدرتها على إحداث أثر حقيقي ومستدام في حياة الأطفال وأسرهم.

سؤال ختامي

إذا أتيحت لكم الفرصة لتغيير فكرة واحدة فقط لدى المجتمع عن التوحد، فما هي هذه الفكرة، ولماذا ترون أن تغييرها سيحدث فرقًا حقيقيًا في حياة الأطفال وأسرهم

إذا أتيحت لي الفرصة لتغيير فكرة واحدة فقط لدى المجتمع عن التوحد، فسأختار أن أغير الاعتقاد بأن التوحد يعني نهاية المستقبل أو غياب الأمل.

للأسف، ما زال بعض الناس ينظرون إلى تشخيص التوحد على أنه حكم نهائي يحدد ما يستطيع الطفل تحقيقه في حياته، بينما الواقع الذي تعلمناه من العلم ومن خبرات آلاف الأسر حول العالم مختلف تمامًا. فالتوحد ليس نهاية الطريق، بل هو بداية رحلة مختلفة تحتاج إلى فهم ودعم وتدخل مناسب.

 

زر الذهاب إلى الأعلى