من مقعد الخدمة إلى طابور الانتظار… حين يُرهَق المتقاعد بين الأنظمة والتطبيق..

أ. فاطمة الجباري

في ظلِّ ما كفلته أنظمة المملكة العربية السعودية من حقوقٍ واضحةٍ وصريحةٍ للمتقاعدين، تقديرًا لما بذلوه من أعمارهم وجهودهم في خدمة الوطن، تبقى بعض صور التطبيق العملي بحاجةٍ إلى مراجعةٍ جادة، تضمن أن تتحول النصوص النظامية إلى واقعٍ منصفٍ يليق بمن أفنوا سنوات شبابهم في ميادين العمل.

فالتقاعد في فلسفته النظامية ليس نهاية عطاء، بل بداية مرحلةٍ يُفترض أن تحاط بالرعاية والطمأنينة. وقد حرصت الدولة على صون حقوق المتقاعد المالية والإدارية، بما في ذلك مكافأة نهاية الخدمة، وسرعة إنجاز مستحقاته، وتيسير إجراءاته. غير أن القصة التي نرويها هنا تكشف فجوةً مؤلمة بين روح النظام وبعض الممارسات الإجرائية.

تروي صاحبة القصة معاناتها بعد أن أُحيلت إلى التقاعد، وهي التي خدمت سنواتٍ طويلةً في قطاعها، تؤدي واجبها بإخلاص، وتؤمن أن ما قدمته للوطن سيُقابل بالتقدير. لكنها وجدت نفسها أمام رحلةٍ شاقةٍ لاستلام حقوقها المادية، وعلى رأسها مكافأة نهاية الخدمة التي تأخر صرفها عدة أشهر، رغم وضوح استحقاقها نظامًا.

لم تقف المعاناة عند هذا الحد، بل امتدت إلى تعاملها مع أحد البنوك المحلية، وتحديدًا البنك الأهلي السعودي، حين تقدمت بطلب إعادة جدولة قرضٍ سابق، بناءً على راتبها التقاعدي الجديد الذي انخفض إلى الربع تقريبًا مقارنةً براتبها أثناء الخدمة. توقعت أن يُقابل طلبها بتفهمٍ وإنصاف، خاصة وأن التقاعد ظرفٌ معلومٌ ومتوقعٌ نظامًا.

إلا أن ما حدث كان مختلفًا؛ إذ طُلب منها مرارًا إعادة رفع المستندات ذاتها، رغم أنها وثائق رسمية صادرة من جهة عملها، وموجودة أصلًا في الأنظمة ذات العلاقة. تقول: “أمضيت ثلاثة أشهر أعيد رفع المستندات نفسها، وفي كل مرة يُرفض الطلب دون توضيحٍ كافٍ، ويُطلب مني البدء من جديد.”

وفي ظل هذا التعثر، كان الراتب التقاعدي يُستقطع بالكامل تقريبًا في نهاية كل شهر، دون مراعاةٍ للتغير الجذري في الدخل بعد التقاعد، أو إعادة الجدولة بما يتناسب مع القدرة المالية الجديدة. وهنا يتحول التقاعد من مرحلة استقرارٍ منتظر، إلى عبءٍ نفسيٍ ومالي، يشعر فيه الإنسان وكأنه انتقل من موقع التكريم إلى دائرة التهميش.

القضية هنا لا تتعلق بحالةٍ فردية بقدر ما تعكس حاجةً ملحةً إلى إعادة النظر في آليات التعامل مع المتقاعدين، سواء في الجهات الرسمية أو في القطاع المصرفي. فالمتقاعد ليس رقم معاملة، ولا ملفًا إلكترونيًا يُعاد إرساله مراتٍ ومرات، بل هو إنسانٌ خدم وطنه، وأسهم في بنائه، ويستحق أن يُعامل بما يليق بتاريخه المهني وكرامته الشخصية.

إن العدالة النظامية لا تكتمل إلا بعدالتها التطبيقية، ولا يكفي أن تُقرَّ الحقوق في اللوائح، بل يجب أن تُفعَّل بروح المسؤولية وسرعة الإنجاز، مع مراعاة الظروف الخاصة التي تطرأ على المتقاعد، وفي مقدمتها انخفاض الدخل وتغير الالتزامات.

ومن هنا تبرز أهمية وضع حلولٍ عمليةٍ واضحة، تُلزم الجهات المعنية بسرعة صرف مستحقات التقاعد، وتوحيد الإجراءات إلكترونيًا بين الجهات الحكومية والبنوك، واعتماد آليات مرنة لإعادة جدولة القروض بما يتناسب مع الراتب التقاعدي، دون تعقيدٍ أو مماطلة. فتكريم المتقاعد ليس خطابًا احتفاليًا في يومٍ معين، بل هو منظومة تعاملٍ مستمرة، تعكس وفاء الوطن لمن وفَّوا له عمرهم وجهدهم..

زر الذهاب إلى الأعلى