ابنة زمن الطيبين بقلم / سمو العتيبي

هناك أشخاص يولدون وفي داخلهم بوصلة صغيرة تشير دائمًا نحو النظام، وأنا واحدة من هؤلاء. لم أكن أطيق مخالفة القواعد، بل كنت أشفق على من يفعل ذلك.

منذ أيام المدرسة، كنت الطالبة المحبوبة لدى المعلمات والمديرة والطالبات أيضًا. كنت مسؤولة الإذاعة المدرسية، أعد فقراتها وأقدّمها، ورئيسة لجنة النظام، والمتحدثة في الحفل الختامي كل عام. كنت متفوقة، ودائمًا الأولى على الصف، كان التفوق جزءًا من هويتي.

ومع ذلك، لا تخلو الحياة من منعطفات صغيرة تختبر ثباتنا. في الصف الثاني الثانوي، وفي الفصل الدراسي الأول تحديدًا، تعرضت لوعكة صحية شُخّصت بالتهاب الزائدة الدودية، وأجريت العملية واضطررت للغياب أسبوعين كاملين. خلال غيابي، كانت زميلاتي يرسلن لي الأخبار مع أختي: من درست؟ من تغيبت؟ من تشاجرت؟ ومن أضحكت الفصل؟ كنت أتابع كل شيء وكأنني لم أغب.

قبل مرضي، وبما أنني عريفة الفصل، رسمت موديل مريول جديد، صوّرته بعدد طالبات الفصل ووزعته عليهن، وطلبت منهن تفصيله ليكون شكلنا منظمًا ومميزًا عن باقي الفصول. كانت كل واحدة تخبرني بتفاصيل تجربتها: من فصلته بسرعة وارتدته، ومن أفسده عليها الخياط فأعادته لإصلاحه. وفي النهاية، أصبح فصلنا كما تخيلته تمامًا… منظّمًا ومريحًا للعين.

عدت للدراسة بعد العملية، وكانت المفاجأة في يوم توزيع الشهادات. لم أكن الأولى كما اعتدت، بل الثانية. شعرت وكأن شيئًا انكسر بداخلي. حاولت حبس دموعي، لكنها خانتني أمام الطالبات. عدت إلى المنزل منهارة، بينما أفراد عائلتي يحاولون مواساتي… ويكتمون ضحكاتهم على بكائي. كانوا يقولون: “المهم تقديرك ممتاز… الترتيب لا يهم.”

كنت أعلم أن غيابي هو السبب، فقد فاتتني دروس كثيرة، لكنني بذلت جهدي لتعويضها. والحمد لله، في الفصل الدراسي الثاني استعدت مكاني وعدت الأولى على الصف.

ومن قصص هوسي بتطبيق النظام، في عام 2018، كنت من أوائل السعوديات اللاتي حصلن على رخصة القيادة. تعلمت القيادة في مدرسة تعليم القيادة مع مدربة حازمة، وكنت أطبق تعليمات المدربة بحذافيرها. كنت أقود سيارة جيب نيسان، وفي أحد الأيام دخلت شارعًا داخل الحي بجانب مدرسة ابتدائية. الشارع مقسوم إلى مسارين، وفي كل مسار ثلاث خطوط. كنت في أقصى اليسار، والطريق مزدحم بالسيارات المتوقفة أمام المدرسة.

كان هناك رجل يقف في مساري، يتكئ على نافذة سيارة في المسار الأوسط ويتحدث مع السائق. سيارتي كانت في وسط المسار بدقة، فأنا لا أسمح لعجلات السيارة أن تلامس الخطوط الجانبية… فذلك عندي “مخالفة للنظام”. تقدمت ببطء، أنتظر منه أن يبتعد، لكنه نظر إليّ بلا مبالاة وأكمل حديثه. كان بإمكاني الخروج عن المسار، لكن هوسي بالنظام أغلق تفكيري.

اقتربت منه، فقام بطي المرآة الجانبية وضرب باب السيارة بغضب، وبدأ يشتم. أكملت طريقي بهدوء، وكأن شيئا لم يكن، لكن تلك اللحظة بقيت في ذاكرتي. وعندما تقدم بي العمر، أدركت أن الحياة لا تُدار بالمسطرة، وأن قليلًا من المرونة لا يضر. نحن لا نعيش في كتاب رياضيات، والحياة أسهل بكثير مما كنت أتصور. اكتشفت أن بعض المواقف تحتاج قلبًا واسعًا أكثر مما تحتاج عقلًا صارمًا، وأن الناس لا يتصرفون دائمًا بدقة القوانين التي نحفظها، بل بدوافعهم وظروفهم ومشاعرهم.

هذه أنا… ابنة زمن الطيبين، تعلمت أن الحياة ليست دائمًا كما نتوقع، لكنها تظل جميلة حين نعيشها بقلب صادق، ونية طيبة، وروح لا تزال تؤمن بالخير.

زر الذهاب إلى الأعلى