موعد في مستشفى حكومي…. بقلم/ سمو العتيبي

لا أذهب إلى المستشفى الحكومي إلا نادرًا جدًا وللضرورة القصوى، تفاديًا للزحام والعدوى المحتملة لكثرة المراجعين. وفي الشهر الماضي كان لدي موعد في إحدى العيادات، بعد انقطاع دام عامًا كاملًا، ولم أعلم أن العيادات استحدثت نظامًا جديدًا يعتمد على جهاز إلكتروني خارج العيادة لتسجيل حضور المرضى. وصلت عند الثامنة صباحًا وموعدي التاسعة، فاتجهت مباشرة إلى مكتب الاستقبال، سجلت بياناتي، ثم جلست في غرفة الانتظار دون أن يخبرني أحد بضرورة التسجيل في الجهاز الخارجي.

جلست أقرأ سورة البقرة كاملة، بينما يدخل المرضى واحدًا تلو الآخر إلى الفحص الأولي، رغم أن كثيرين منهم حضروا بعدي. لم أتضايق في البداية، فقد كنت منشغلة بالقراءة، لكن حين انتهيت وبدأت أستفسر، اصطدمت بجدار من الجفاء.

سألت موظفة الاستقبال الأولى، فردّت بنبرة حادة لا تحتمل سؤالًا ثانيًا. توجهت لأخرى كانت تنادي الأسماء عبر المايكروفون، فكان ردها أكثر جفاءً، وكأن مجرد سؤالي عبء عليها. انتظرت موظفة ثالثة، فكانت ألطف، لكنها اكتفت بأن تطلب مني الانتظار مجددًا. وعندما كنت أتنقّل بين الموظفات أسأل عن سبب عدم مناداة اسمي، شعرت وكأن كل واحدة منهن تقف في وضعية استعداد لمعركة، لا لمساعدة مريض. ملامح مشدودة، نبرة حادة، واستنفار لا مبرر له، وكأن مجرد سؤالي تهديد. وخلف ظهورهن مباشرة لوحة كبيرة لوزارة الصحة تقول: “الاعتداء على الممارس الصحي لفظيًا أو جسديًا جريمة يعاقب عليها القانون بالسجن لمدة تصل إلى 10 سنوات أو غرامة تصل إلى مليون ريال.” لتذكّر المرضى بضرورة احترام الكادر الصحي، وهذا حق لا خلاف عليه، لكن ما يزعج أن بعض الموظفات يتعاملن وكأن المريض معتدي قبل أن ينطق بكلمة.

ورغم ذلك، أنا أقدّر الجهد الذي يبذلنه، وأتفهم ساعات العمل الطويلة، والضغط اليومي، والتعامل مع أصناف مختلفة من المرضى… منهم الصبور والمحترم، ومنهم من يرهق الأعصاب. لكن هذا لا يبرر أن يُعامل المريض وكأنه خصم، لا صاحب حق. (إِنَّ الرِّفقَ لا يَكُونُ في شيءٍ إِلَّا زَانَهُ، وَلا يُنْزَعُ مِنْ شَيءٍ إِلَّا شَانَهُ). عند العاشرة صباحًا، أي بعد ساعتين من حضوري، عدت إلى موظفة أخرى وطلبت منها التأكد من اسمي، ففاجأتني بقولها: “اسمك غير موجود… أنتِ لم تسجّلي أصلًا.”

أخبرتها أنني سجلت عند مكتب الاستقبال الخارجي، لكنها أوضحت أن التسجيل يجب أن يكون عبر الجهاز الإلكتروني. عدت إلى الموظف نفسه وسألته: لماذا لم تخبرني؟ فأجابني ببرود: “أنتِ المخطئة… كان يجب أن تسجّلي في الجهاز قبل التسجيل عندي.” كيف لي أن أعرف؟ لم يخبرني أحد، ولم أزر المستشفى منذ عام كامل، واعتقدت أنه وضع للتخفيف من الزحام على مكتب الاستقبال. تفهم وضعي وسجل لي موعدًا جديدًا، وطلب مني التسجيل في الجهاز ثم العودة إليه. فعلت ذلك، واتصل بإحدى الموظفات داخل العيادة شرح لها ما حصل. وعندما وصلت إليها، وجّهت الممرضة الفلبينية بإدخالي مباشرة للفحص الأولي.

وهنا ظهر الفارق. الممرضة الفلبينية استقبلتني بابتسامة، سألتني عن موعدي، فأخبرتها بقصتي، ربتت على كتفي بحنان وقالت لي: “لا بأس… هذه الأمور تحدث دائمًا.” كانت كلماتها البسيطة كفيلة بأن تمسح أثر ساعتين من التوتر. بعد الفحص الأولي، سارت الأمور بسلاسة، ودخلت على الطبيب مباشرة.

ومع أن تجربتي انتهت بسلام، إلا أنها فتحت عينيّ على جانب آخر من واقع المواعيد في المستشفيات الحكومية، جانب أكثر قسوة مما مررت به أنا شخصيًا.

ذهبت قبل فترة مع قريبة لي كانت تشك بوجود ورم خبيث – أعاذنا الله وإياكم – وكانت في حالة خوف شديد. شرحت للطبيبة وهي من جنسية عربية ما تشعر به، فطلبت لها تحاليل وأشعة. التحاليل تُجرى فورًا، أما الأشعة فسيصل موعدها برسالة على الهاتف.

خرجنا من المستشفى، وفي السيارة قبل الوصول للمنزل وصلت الرسالة: موعد الأشعة بعد سنة!!.

نعم… سنة. ولأكون منصفة بعد تسعة أشهر بالضبط! ضحكنا من الصدمة، رغم أن الموقف لا يُضحك. كيف تُعطى مريضة خائفة، لا تنام من القلق، موعدًا بعد عام؟ أين الرحمة؟ أين التقدير؟ أين الاستثناءات التي يفترض أن تُمنح للحالات الطارئة؟ قَالَ النبي عليه أفضل الصلاة والسلام : (مَن لا يَرْحَمُ لا يُرْحَمُ).

اتصلت بقريبة لي تعمل في ذات المستشفى وهي ليست طبيبة، شرحت لها الوضع، وأرسلت لها رقم ملف المريضة. خلال دقائق، أصبح الموعد في اليوم التالي بدلًا من سنة.

وهنا عاد السؤال الذي لا أجد له جوابًا:
هل الطبيبة لا تملك أي صلاحية لتسريع موعد مريض يحتاج إلى عناية عاجلة؟ أم أن بعض البشر فقدوا حسّهم الإنساني، فلم يعودوا يرون في المريض إلا رقمًا في قائمة انتظار؟ وصار الروتين أهم من ألم المريض؟

ليست المشكلة في الأنظمة، ولا في الأجهزة الإلكترونية، ولا في كثرة المرضى. المشكلة في الإنسان حين ينسى إنسانيته.
في موظف لا يكلف نفسه أن يشرح خطوة بسيطة، وفي طبيبة لا تفكر أن الخوف قد يقتل مريضًا قبل المرض نفسه.

ورغم كل ذلك، يبقى هناك من يعيد التوازن: ممرضة تضع يدها على كتفك بحنان، موظفة تبذل جهدها لتقريب موعد إنسانة تتألم وتترقب نتيجة فحص قد يغيّر حياتها، إنسان واحد يتصرف بإنسانية يعيد لك الإحساس بأن الرحمة ما زالت موجودة.

الرحمة ليست مجرد صفة في التعامل ، بل هي جوهر العمل الصحي، ومن غابت عنه الرحمة، غابت عنه القدرة على أن يكون عونًا للمرضى، ومن جفّت رحمته جفّ أثره مهما علت درجته أو طال لقبه.

زر الذهاب إلى الأعلى