في رحلتي إلى لندن العام الماضي، كانت رفيقتي في السفر قد أعدّت قائمة طويلة بالأماكن التي سنزورها والمطاعم التي سنرتادها، اعتمادًا على ما يروّج له المشاهير في سناب وتيك توك. وبصراحة، لم تكن هذه طريقتي المفضلة؛ فأنا أميل إلى استكشاف أماكن جديدة بعيدًا عن الإعلانات. لكنها كانت متحمسة جدًا لزيارة مطعم مشهور بتقديم شرائح اللحم، ويشتهر أيضًا بهديته لزوّاره: آيسكريم يُقدَّم عند المغادرة بطريقة مبتكرة، وقد صوّر فيه عدد من المشاهير وأشادوا بالطعم المتفرّد لشرائح اللحم التي يقدمها.
عند وصولنا وجدنا المطعم مزدحمًا، وبالصدفة حصلنا على طاولة. وعندما جاءت النادلة لطلب الغداء سألتها إن كان اللحم حلالًا، فأجابت بالنفي. قلت إذن نغادر المطعم، لكن رفيقتي أصرت على البقاء رغبةً في التصوير مثل المشاهير. فسألت النادلة عن إن كانت فروع المطعم الأخرى تقدّم لحمًا حلالًا، فأكدت أن سياسة المطعم في كل فروعه لا تشمل تقديم اللحوم الحلال. فاتفقنا أن تطلب شيئًا خفيفًا بعيدًا عن اللحوم لتحصل على الآيسكريم، ثم نذهب بعدها لمطعم آخر لتناول الغداء.
كان نصف الحضور في المطعم من العرب والمسلمين، وكانوا يستمتعون بتناول اللحوم التي يشتهر بها. قبل مغادرتي، راودتني فكرة إخبارهم بأن اللحم غير حلال، وأترك لهم حرية القرار، خاصة أن إحدى العائلات كانت قد وصلت للتو ولم تطلب شيئًا بعد لكنني ترددت؛ خشيت أن يُفهم الأمر على أنه تدخل فيما لا يعنيني، وفي النهاية قررت ألا أتدخل، فكل شخص مسؤول عمّا يأكل. علمًا بأن طريقة قتل الحيوان بالصعق الكهربائي المتبعة في بريطانيا باعتبارها “أرحم” من الذبح وإراقة الدم تجعل الدماء محتبسة في الجسد، يقول تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾. وقد أثبتت الدراسات الحديثة أن احتباس الدم في جسد الحيوان الميت يجعل لحمه بيئة مناسبة لانتشار الجراثيم، مما يزيد من ضرره على صحة الإنسان.
وفي المساء، ومع إغلاق المطاعم مبكرًا عند السابعة، دخلت متجرًا على عجل لأشتري وجبة خفيفة. أخذت قطعة بيتزا مغلّفة، فإذا برجل من الجنسية الهندية يقف خلفي ويستأذن بأدب ليخبرني أنها غير حلال لأنها تحتوي على دهن الخنزير، ثم أشار إلى الرفوف التي تحتوي على المنتجات الحلال. شكرته وغادر، لكنه أيقظ في داخلي مشاعر حاولت تجاهلها من وقت الظهيرة. كان شجاعًا؛ لم يفكر في ردة فعلي، بل قدّم نصيحته لأنه رأى أنها الصواب، وله أجرها حتى لو لم أتقبلها. أما أنا، فرأيت كثيرًا من المسلمين يتناولون لحمًا محرّمًا ولم أنطق بكلمة.
وفي رحلة العودة إلى الرياض، جلست بجواري سيدة سعودية، وتبادلنا الحديث عن الأماكن التي زرناها. وعندما تطرقنا للمطاعم، ذكرت لها قصة المطعم الشهير وأن لحومه غير حلال. فقالت مستغربة:
“يا حبيلكم، بعد تسألون اللحم حلال أو حرام؟ والله ما سألت، أجل أموت من الجوع؟”
وكأنها تشير إلى أن السؤال عن الحلال والحرام أمر غير مهم، وأنه لا يليق بمن يريد أن يبدو من “الطبقة الراقية”. وربما كانت هذه هي نفس ردة فعل كثيرين، وهذا ما جعلني أتردد في إخبار الآخرين داخل المطعم. والحقيقة أنه لا أحد سيموت جوعًا في لندن؛ فعدد المسلمين كبير، والمطاعم التي تقدم اللحوم الحلال كثيرة، بل توجد جمعية للحوم الحلال وتنظم مهرجانات خاصة بها.
ويبقى السؤال الذي ظل يطرق ذهني:
المشاهير الذين صوّروا في ذلك المطعم وأشادوا بلحومه، وربما وثق بهم متابعوهم فتناولوا ما لا يعلمون حكمه… لماذا لم يتحرّوا الدقة؟ ولماذا لم يفكروا في أثر ما ينشرونه؟ وبسبب استهتارهم ربما تضرر كثيرون، فمن يتحمل المسؤولية؟
