كل الناس تكتب عن اليوم الوطني؛ عن أمجاد بلادنا ومنجزاتها، وعن الاحتفالات التي تملأ المدن والقرى، واكتسحت القصائد الوطنية منصات التواصل منذ بداية سبتمبر وحتى اليوم. الشعب السعودي سعيد، يترقب هذه المناسبة بلهفة؛ أطفالًا ونساءً ورجالًا، وتبدو مظاهر الفرح في كل مكان.
وليس هذا الفرح سعوديًا فحسب، بل تشاركنا فيه دول الجوار، ويحضر بعضهم ليحتفل معنا، في مشهد يعكس مكانة المملكة وما تمثله من حضور وتأثير ومودة في محيطها.
ومن حقنا أن نفرح بوطننا، وأن نحتفي به، وأن نتغنى بمنجزاته، وأن نصنع من هذه المناسبة ذكريات جميلة تُروى لأبنائنا وأحفادنا. لكن بين الفرح بالوطن، والمسؤولية تجاهه، خيط لا ينبغي أن ينقطع. فحب الوطن ليس احتفالًا ينتهي بانتهاء المناسبة. حب الوطن أن تشعر أنك جزء من منظومته، وأن ما تقدمه فيه، مهما بدا بسيطًا، يترك أثرًا في مسيرته.
فإن كنت طبيبًا، فأخلص في علاج مرضاك، واحفظ الأمانة التي وضعتها المهنة في عنقك. وإن كنت مهندسًا، فأدِّ عملك بإتقان، فكل مشروع تنجزه بإخلاص هو لبنة في بناء الوطن. وإن كنت معلمًا، فاعلم أن ما تزرعه في عقول طلابك اليوم، قد يصنع ملامح وطن الغد. وإن كنت إداريًا، فاجعل من إنجازك وسرعة أدائك وحفظك للحقوق صورة من صور الولاء. ومهما كان موقعك الوظيفي، ومهما كان حجم مسؤوليتك، لا يوجد عمل صغير إذا أُنجز بإخلاص، ولا دور هامشي حين يؤدي صاحبه أمانته كما ينبغي.
حبك لوطنك ليس بروشًا تضعه، ولا شعارًا ترفعه، ولا مقالًا تكتبه، ولا قصيدة تدندن بها؛ حبك لوطنك يظهر في مكتبك، وفي مدرستك، وفي مستشفاك، وفي موقع عملك، وفي تعاملك مع الناس، وفي حرصك على المال العام، وفي احترامك للأنظمة، وفي إتقانك لما اؤتمنت عليه. ولاؤك الحقيقي يظهر حين لا يراك أحد. هنا يبدأ دور العين الثالثة.
خلف مظاهر الفرح، وبعيدًا عن الأضواء، تظل مسؤولية الوعي قائمة. فالأمن لا تصنعه الجهات الأمنية وحدها، وإن كانت تقوم بدور عظيم في حماية الوطن والمواطن؛ بل يشارك فيه المجتمع كله بالوعي والانتباه والالتزام.
لذلك لا تلهيكم الفرحة عن الفطنة. انتبهوا لما يدور حولكم، وكونوا عين الوطن الثالثة التي ترى ما قد يغفل عنه الآخرون. لا تترددوا في الإبلاغ عن أي سلوك مشبوه أو محتوى يثير الفتنة أو ممارسة قد تلحق الضرر بالناس، ولا تستصغروا الملاحظات التي تمس سلامة المجتمع وصحة أفراده.
فالمسؤولية تبدأ أحيانًا من ملاحظة صغيرة، وبلاغ في وقته، وكلمة وعي، وموقف لا يتردد صاحبه في اتخاذه.
وانتبهوا لما يدخل إلى بيوتكم وأجسادكم، وما تقدّمونه لأبنائكم، وما تتلقونه عبر المنصات المختلفة. فسلامة المجتمع لا تتعلق بالأمن بمفهومه التقليدي وحده؛ بل تشمل الغذاء، والصحة، والمعلومة، والسلوك، وكل ما يمكن أن يترك أثرًا في حياة الإنسان.
نحن نعيش في وطن كبير، تتسع فيه المشاريع، وتتسارع فيه التنمية، وتكبر فيه الطموحات. ومع اتساع هذه المسيرة، تكبر مسؤوليتنا في المحافظة عليها.
والمملكة العربية السعودية، بما لها من مكانة وثقل، وبما تقدمه من مواقف إنسانية وسياسية واقتصادية، وما تضطلع به من أدوار تجاه محيطها العربي والإسلامي، تستحق من أبنائها أن يكونوا على قدر هذه المكانة. نحن أبناء وطنٍ لم يبخل علينا بشيء، ومن الوفاء له ألا نبخل عليه بإخلاصنا.
فلنحتفل، ولنفرح، ولنرفع راية وطننا عاليًا، ولنردد أناشيدنا الوطنية بكل فخر؛ ولكن لنجعل احتفالنا أكبر من مظاهر الفرح، ولنجعل اليوم الوطني محطة نتذكر فيها أن الوطن ليس أرضًا نسكنها فحسب، بل أمانة نشارك جميعًا في حمايتها وبنائها.
فعّلوا العين الثالثة لديكم. لا في اليوم الوطني وحده، بل في كل يوم.
كونوا المخلصين في أعمالكم، الواعين في سلوككم، الحريصين على مجتمعكم، الحافظين لمقدرات وطنكم. فالوطن لا يحتاج منا الكلام وحده؛ يحتاج إلى عمل يثبت هذا الكلام. وإذا كان الوطن أمانة في أعناقنا، فإن الجيل القادم أمانة أيضًا؛ وما نفعله اليوم سيغدو جزءًا من الإرث الذي نورثه لهم غدًا. فلنترك لهم وطنًا آمنًا، أكثر ازدهارًا، وأكثر قوة. ولتبقَ بلادي منارة للإسلام، ومنارة للمجد والحضارة. سيري يا بلاد الإمام للمجد والمقام.
نسأل الله أن يحفظ وطننا، ويديم عليه نعمة الأمن والأمان والرخاء، وأن يحفظ قيادته وشعبه، وأن يديم على المملكة عزها ومكانتها، ويحفظ أبناءها من كل سوء، ويرد عنها كيد من أراد بها شرًا.
وكل عام وبلادنا بخير،
وكل عام والوطن في قلوبنا،
وكل عام ونحن أكثر وفاءً وعملًا وإخلاصًا. ونكرر قول الأولين: «الوطن أمانة في الرقاب، وذمة في الأعناق، لا يغفل ولا يهان».
دمتم في حفظ الرحمن.
