تخيّل أن أمامك ألف صفحة ، ألف صفحة كتبها شخص ما على مدى أربعة أعوام من حياته، ثم يسأله أحدهم: كم صفحة ينبغي أن تبقى؟ السؤال يبدو قاسيًا، لكنه ربما يكون أول سؤال حقيقي في حياة أي كتاب.
ففي مكان ما، بعيدًا عن رفوف المكتبات، لا يبدأ الكتاب كتابًا. يبدأ فكرة صغيرة في رأس كاتب ، ثم تتحول الفكرة إلى جملة، والجملة إلى صفحة، والصفحة إلى صفحات، وفجأة يجد الكاتب نفسه أمام مئات الصفحات التي تشبهه؛ فيها أحلامه، وغضبه، وذاكرته، وأخطاؤه، وأشياء لا يعرف لماذا كتبها أصلًا.
ثم يأتي شخص آخر ..
رجل لا ينظر إلى المخطوطة بوصفها صفحات كتبها شخص، وإنما بوصفها قصة تبحث عن شكلها الصحيح.
قد يقرأ هذا الرجل مئة صفحة ليكتشف أن عشرين منها فقط هي التي تحمل قلب الحكاية. وقد يطلب من الكاتب حذف مشهد يحبه، أو إعادة بناء شخصية، أو تغيير بداية رواية كتبها خلال أشهر طويلة.
لنتخيل هذا الحوار:
الرجل: — كم تظن علينا أن نشطب من الكتاب؟
أجاب الكاتب: — أظن حوالي 300 صفحة.
توقّف الكاتب أمام الرقم، وكأن أحدًا طلب منه أن يتخلى عن جزء من حياته.
لكن الرجل قال بهدوء: — ليس عدد الصفحات هو الشيء المهم، بل سرد القصة هو المهم.
كان يعرف شيئًا ربما يصعب على الكاتب أن يراه:
ليست كل صفحة جيدة صفحة ضرورية.
نظر الكاتب إلى المسودة وقال: — أربعة أعوام من حياتي… قلبي ينزف ليرى أيًّا منها تُشطب. لكن أظن أن الأمر أصبح كـ«من يخشَ صعود الجبال، يعشْ أمد الدهر بين الحفر».
ابتسم الرجل: — إنك قلت بالضبط ما كنت أقصده.
وهنا نفهم أن هذا الرجل ليس شرطيًا يقف عند باب الكتاب ليمنع الكلمات من الدخول، وليس مجرد شخص يصحح الأخطاء اللغوية أو يضع علامات الترقيم.
إنه، في جوهر عمله، أول قارئ حقيقي للنص.
هو الذي يسأل: لماذا بدأت الرواية من هنا؟ لماذا تأخرت هذه الشخصية؟ ماذا لو حذفنا هذا الفصل؟ ماذا لو قلنا هذا في خمس صفحات بدلًا من خمسين؟ أين تتباطأ الحكاية؟ أين يفقد القارئ فضوله؟ وأين تصبح الرواية نفسها أقوى من كاتبها؟
وبعد كل ذلك يصل الكتاب إلى يد القارئ، فيفتحه من الصفحة الأولى، ويبدأ القراءة دون أن يعرف شيئًا عن كل تلك المعارك التي دارت خلف الصفحات.
لا يعرف أن فصلًا كاملًا ربما اختفى.
ولا يعرف أن جملة يحبها كانت على وشك أن تُحذف.
ولا يعرف أن الكاتب دافع طويلًا عن مشهد، بينما رأى شخص آخر أنه يقف في طريق الرواية.
وربما لهذا السبب لا نسمع كثيرًا عن هذا الرجل.
نحن نعرف اسم الكاتب. نحفظ عنوان الرواية. نتذكر الشخصيات. نناقش النهاية.
لكن…
من الذي جلس قبل كل ذلك مع المخطوطة الأولى؟ من الذي قرأها حين لم تكن رواية بعد؟ من الذي قال للكاتب:
هذه هي القصة التي تبحث عنها، لكنك لم تصل إليها بعد؟
ومن الذي امتلك الشجاعة ليطلب من الكاتب أن يتخلى عن جزء من النص الذي يحبه، كي ينقذ النص كله؟
الكثير من القراء، وخصوصًا المهتمين بالأدب العالمي، لا بد أنهم قرأوا، أو سمعوا على الأقل، عن توماس وولف، وإرنست همنغواي، وف. سكوت فيتزجيرالد.
أسماء كبيرة. روايات شهيرة. كتب بقيت طويلًا في ذاكرة الأدب العالمي.
نعرف الكتّاب، نعرف أعمالهم، نتحدث عن أساليبهم، ونختلف حول رواياتهم وشخصياتهم ونهاياتهم.
لكن…
هل نعرف الرجل الذي وقف خلف بعض هذه الأسماء؟
هل سمعنا من قبل عن «ماكس بيركنز»؟
من هو هذا الرجل؟ ما الذي كان يفعله بالضبط؟ هل كان مجرد شخص يجلس خلف مكتب، يقرأ المخطوطات ويصحح الأخطاء، ثم يدفعها إلى المطبعة؟
أم أن دوره كان أكبر بكثير مما نتصور؟
ماكس بيركنز، الرجل الذي ارتبط اسمه باكتشاف ورعاية عدد من أهم الأسماء الروائية في الأدب الأمريكي، من بينهم توماس وولف، وف. سكوت فيتزجيرالد، وإرنست همنغواي.
لكن المفارقة أن أسماء هؤلاء الكتّاب أصبحت أشهر بكثير من اسم الرجل الذي قرأ نصوصهم قبل أن تصبح جزءًا من تاريخ الأدب.
وكأنه اختار لنفسه موقعًا غريبًا في صناعة الكتاب..
بأن يكون حاضرًا في ولادة العمل، ثم يختفي عندما يصل العمل إلى القارئ.
وربما كان هذا هو أصعب أدواره أيضًا.
أن يساعد الكاتب على أن يجد صوته، من دون أن يضع صوته هو مكانه.
أن يعرف متى يتدخل، ومتى يتراجع.
متى يقول: أكمل. ومتى يقول: أعد الكتابة.
ومتى يضع أمام الكاتب مئات الصفحات المشطوبة، ثم يتركه يكتشف بنفسه أن الرواية التي خسر منها شيئًا…
ربحت بذلك بقاءها و خلودها.
ومن هذه المنطقة تحديدًا تنشأ الحكاية التي تكشف لنا ما يحدث خلف الكتب التي نقرأها، وما يمكن أن تعنيه علاقة الكاتب بالرجل حين تتجاوز المخطوطة ومكتب النشر، لتصبح علاقة إنسانية تشبه في بعض لحظاتها علاقة الأب بابنه؛ فيها التوجيه، والحماية، والقلق، والاختلاف، ثم الصداقة، والصراع، والندم.
إنها الحكاية التي يجسّدها فيلم «Genius» ..
الفيلم الذي كان يريد أن يقول لنا عن مدى أهمية وجود المحرر الأدبي في حياة كل كاتب.
فخلف صخب الكاتب ووهج اسمه، كان هناك اسم آخر يعمل في الظل؛ يقرأ، ويحذف، ويجادل، ويعيد النظر، ويحاول أن ينقذ الكتاب من فائضه قبل أن يصل إلى القارئ.
و لولا وجود ماكس بيركنز، ربما لم تصل أعمال توماس وولف إلى القارئ بالصورة التي عرفها بها الأدب ..
قد لا يعرف القارئ اسمه، لكنه حاضر في الكتاب الذي بين يديه.
إنه الرجل الذي يكتب ولا يُكتب عنه.
ذلك هو «المحرر الأدبي».
ماريا الخنيزي
