بتول الفهاد
لم تكن الأمسية التي احتضنها مكتب مدينتي المعذر مساء الأربعاء 27 أغسطس 2026 مجرد لقاء لاستعادة أسماء وأماكن من ذاكرة الرياض بل بدت كأنها نافذة فُتحت على زمنٍ كانت فيه الحارة كتابًا مفتوحًا والبيوت تحفظ حكايات أهلها والوجوه جزءًا من ملامح المكان.
في أمسية حملت عنوان (حكاية وذاكرة بين بلدة منفوحة التاريخية وحي الشميسي )
اجتمع الحضور حول ذاكرة أربعة من أبناء المكان :الأستاذ عبدالمحسن الزيد والأستاذ ناصر الراشد والأستاذ سعود الشايب والأستاذ عبدالعزيز الشايب ليستعيدوا تفاصيل من تاريخ حين ارتبطا بوجدان الرياض ويمنحوا الحكايات القديمة فرصة أخرى للحياة.
كانت المنفوحة أو (سيدة السهل ) كما يحلو لذاكرتها أن تُسمّى حاضرةً بثقلها التاريخي وخصوصيتها الاجتماعية. بلدةٌ ضاربة في القدم عُرفت بالزراعة والتجارة وارتبط اسمها بالشاعر العربي الشهير الأعشى حتى عُرفت قديمًا (بمنفوحة الأعشى)
وللمنفوحة معالمها التي لا تزال تستدعي الذاكرة يأتي في مقدمتها المسجد القبلي أحد الشواهد المعمارية الباقية على تاريخ البلدة إلى جانب بقايا النسيج العمراني القديم الذي يمنح المكان ملامحه الخاصة ويذكّر بأن المنفوحة لم تكن حيًا عابرًا في خارطة الرياض بل كانت بلدة قائمة بذاتها قبل أن تمتد إليها المدينة.
وفي رمضان تحديدًا كانت للمنفوحة حكاية أخرى فالقرآن لا يغادرها تتردد تلاوته في البيوت والمساجد وتتحول ليالي الشهر الكريم إلى مشهد اجتماعي وروحي تختلط فيه أصوات التراويح بعبق المآذن وتستعيد فيه الجيرة معناها القديم. كان رمضان هناك ذاكرةً تُعاش لا مناسبةً تمر.
ومن التفاصيل التي توقفت عندها الأمسية حكاية (القاضي )وليس المقصود رجل القضاء وإنما ذلك الرجل الذي كان يرجع إليه أهل المنفوحة لحل المشكلات والإصلاح بين الناس في صورة تختصر مجتمعًا كانت فيه الحكمة والمكانة الاجتماعية قادرتين على إعادة الود بين المتخاصمين.
ومن المنفوحة انتقلت الذاكرة إلى الشميسي حيٌّ حمل اسمه من مزرعة كانت للشيخ محمد بن علي الشميسي الذي عُرف بكرمه وسخائه وإتاحته ما تنتجه مزرعته للمحتاج وعابر السبيل حتى أصبح اسمه عنوانًا للمكان.
وهنا بدا الفرق بين الحيين واضحًا حتى في لغة الشوارع فالشميسي جاء ضمن الأحياء التي نشأت مع امتداد الرياض خارج أسوارها واتسم تخطيطه بشوارع أكثر انتظامًا بينما احتفظت المنفوحة بتكوينها القديم الذي نما بصورة أقرب إلى طبيعة البلدة التاريخية وتدرجها العمراني.
وكانت ذاكرة الشميسي تستحضر كذلك المشهد الأوسع للرياض القديمة من بوابة الشميسي التي كانت واحدة من بوابات الرياض المسوّرة لى الطرق التي كانت تصل الأحياء القديمة ببعضها وصولًا إلى معالم ارتبطت بالذاكرة العمرانية للمدينة وفي مقدمتها قصر المربع الذي أصبح لاحقًا أحد أبرز المعالم التاريخية في الرياض وشاهدًا على انتقال المدينة من حدود السور القديم إلى فضاء عمراني أوسع.
وبين المنفوحة والشميسي لم تكن الحكاية عن مبانٍ وشوارع فحسب كانت عن أسماء صنعت حضورها في المجتمع وعن رجال ووجوه بقيت في الذاكرة لأنهم كانوا جزءًا من يوميات المكان وعن معالم تحولت من حجارة وطين إلى علامات تروي للجيل الجديد كيف كانت الرياض.
فالمكان هنا لا يُقرأ من خارطته فقط
المنفوحة تُقرأ من مسجدها وحاراتها وذاكرة أهلها والشميسي يُقرأ من شوارعه ومزرعته القديمة وبوابته التي كانت جزءًا من سور الرياض.
وهكذا بدت الأمسية وكأنها تعيد ترتيب صورة الرياض القديمة قطعةً قطعة من سيدة السهل في الجنوب إلى الشميسي في الغرب وبينهما ذاكرة مدينة كانت تكبر ببطء لكنها كانت تحفظ كل خطوة من خطوات نموها.
وجاءت مداخلات الحضور من ذكريات وإضاءات أسهمت في حفظ جانب مهم من الذاكرة المحلية في لفتة تؤكد أن استحضار تاريخ الأحياء ليس استرجاعًا للماضي فحسب، بل حفظٌ للهوية وصونٌ لحكايات الأماكن وأهلها.
و في الختام جاء التكريم تقديراً لجهودهم
ولعل أجمل ما خرجت به الأمسية أن التاريخ لا يسكن الكتب وحدها أحيانًا يسكن في صوت رجلٍ يتذكر وفي شارعٍ يحمل اسمًا قديمًا وفي مسجدٍ بقي شاهدًا وفي حكاية رمضانية لم تنطفئ.
وحين تُروى حكايات المنفوحة والشميسي لا يعود الماضي ماضيًا تمامًا
إنه الرياض حين كانت الحارة بيتًا كبيرًا
والجيرة قيمة،والذاكرة مسؤولية










