المسقي التاريخية.. حين يحكي الحجر ذاكرة المكان بقلم / صالحه آل بيهان القحطاني

الجزء الثاني ؛
المسقي.. حين كانت القرية مجتمعًا كاملًا

إذا كان الحجر قد حفظ شكل المسقي، فإن أهلها حفظوا روحها. فقد كانت القرية مجتمعًا يقوم على التعاون والتكافل والضيافة والعمل المشترك؛ يتقاسم أهلها الأفراح والأحزان، ويتساندون في تفاصيل الحياة اليومية.

* البسطات.. ساحات تجمع الناس

اشتهرت المسقي قديمًا بحيوية أهلها وترابطهم الاجتماعي، وكانت الساحات العامة، التي عُرفت محليًا باسم «البسطات»، متنفسًا للسكان ومكانًا لمختلف الأنشطة والمناسبات.

ومن أبرزها المحانذ، والتالقة، والمنظى، والهشم، والطيح وغيرها، فكانت هذه الساحات جزءًا من الحياة اليومية، يجتمع فيها الناس وتتقاطع فيها أخبار القرية وضيوفها.

* المحانذ.. ذاكرة الضيافة

ومن أشهر تلك الساحات ميدان المحانذ الواقع شمال القرية بالقرب من منزل شيخ القبيلة.

وكان الميدان يستقبل القبائل والضيوف القادمين في مناسبات الأهواد أي مناسبات الختان، حيث يتوافد الأقارب والأصدقاء والأنساب محملين بالذبائح إكرامًا للضيوف.

ومع كثرة الذبائح والحضور، كانت تُجهز في الميدان محانذ لطهي الذبائح بالحنيذ، حتى ارتبط اسم المكان بهذه العادة، وبقي «المحانذ» شاهدًا على زمن كانت فيه الضيافة مسؤولية جماعية.

* المسقي.. محطة للقوافل والتجارة

لم تكن الحياة الاقتصادية أقل حضورًا من الحياة الاجتماعية ، فقد كانت المسقي محطة من محطات القوافل منذ أزمان بعيدة، وارتبطت طرقها التجارية بمناطق مختلفة.

وتذكر المعلومات أن القرية ضمت نحو 47 محلًا تجاريًا عُرفت باسم «الدكان»، ومارست فيها أنواع التجارة والحرف اليدوية، كما كان يقام فيها سوق شعبي يوم الأحد من كل أسبوع.

وكانت القوافل التجارية القادمة من نجران وجازان وتهامة تصل إليها عبر الطرق المرتبطة بوادي بيش وعقبة القرون، فتلتقي في المسقي التجارة بالناس والأخبار.

الزراعة.. رزقٌ وذاكرة

كانت الزراعة من أهم مقومات الحياة في المسقي، فقد أحاطت المزارع بالقرية، واعتمد أهلها على الآبار والمجاري المائية في سقيها.

وكانوا يعرفون مواسم الزرع والحصاد، ويستدلون بالنجوم والشمس والأمطار على أوقاتها، ويتابعون المحاصيل الموسمية التي كانت جزءًا من معيشتهم.

وكان العمل الزراعي في كثير من الأحيان جماعيًا، ترافقه الأهازيج التي تخفف مشقته وتمنحه روحًا من المشاركة، فتحول الزراعة من مصدر للرزق إلى جزء من ذاكرة القرية وحياته .

* الضيافة.. حين كان الضيف مسؤولية الجميع

كانت الضيافة في المسقي تقوم على التكافل والتعاون الاجتماعي فعند قدوم الضيوف، ولا سيما في مناسبات الأعراس يتشارك الأهالي في استقبالهم وتوزيعهم على البيوت، وتقديم الطعام والشراب لهم وقد يمتد مقام الضيف يومًا أو يومين.

ولم يقتصر التكافل على الضيافة، بل كان أهل القرية يتساندون فيما بينهم، فيمدّ بعضهم بعضًا بالحبوب والسمن والدقيق وسائر المؤن التي يحتاجون إليها.

وكان الضيف يجد في كل بيت بابًا مفتوحًا ويدًا ممدودة، في صورة تختصر معنى الجماعة في مجتمع المسقي.

وفي العزاء كانت هناك أعراف منظمة لتقديم الضيافة للمعزين بحسب قربهم ومكان قدومهم، من القهوة والخبز إلى الذبائح، وفق قدرة كل أسرة.

* نساء المسقي.. حضور في الحياة الاقتصادية والاجتماعية

ولم تكن المرأة بعيدة عن حركة المجتمع، فقد شاركت بعض نساء المسقي في التجارة وتوفير احتياجات الناس، وتذكر الرواية التاجرة نالة الأحمري التي كان لها دور في توفير المواد الغذائية والمؤن وإيصالها إلى المشاركين في حملات الدولة.

ويكشف هذا الحضور عن مجتمع كانت المرأة فيه جزءًا من الحركة الاقتصادية والاجتماعية، تؤدي دورها في التجارة والعطاء وخدمة مجتمعها.

* المسقي والقرى المجاورة.. مجتمع متصل

لم تكن المسقي تعيش بمعزل عن محيطها فقد ارتبطت بقرية آل ينفع والقرى المجاورة بعلاقات اجتماعية وعمرانية وتعليمية.
تبادل الناس المصاهرة وانتقلت الخبرات وتشابهت بعض ملامح العمارة كما كان أبناء المسقي يتوجهون إلى القرى المجاورة للتعليم في بدايات المدارس النظامية، فيقطعون المسافات مشيًا بحثاً عن العلم .
فلم تكن القرى تفصلها المسافات بقدر ما كانت تجمعها العلاقات.

* المسقي.. مجتمع يعرف معنى أن يكون للناس بعضهم

كل ما سبق يقود إلى معنى واحد ؛
أن المسقي لم تكن مجموعة بيوت متجاورة، بل مجتمعًا يعرف كيف يتقاسم الحياة.
يتقاسمون الضيف والفرح والحزن والعمل والماء والخبر ويتعاونون في تفاصيل حياتهم وتجمعهم الساحات والأسواق والمزارع والمساجد.

ولهذا حين نقول إن المسقي تراث، فنحن لا نتحدث عن الحجر وحده بل عن طريقة حياة كاملة كان فيها الإنسان سندًا للإنسان.

يتبع في الجزء الثالث:

المسقي.. رجالها وذاكرة الوطن

زر الذهاب إلى الأعلى