لم تبدأ علاقتي بالتصوير عندما اقتنيت كاميراً احترافية، ولم تبدأ عندما دخلت مجال الإعلام، بل بدأت قبل ذلك بسنوات؛ وأنا طفل يعشق الرسم والريشة.
نشأت في أسرة تقدًر الفن، وكانت عيناي تتغذيان على أعمال إخوتي وأخواتي، وعلى اللوحات والكراسات المتناثرة في منزلنا البسيط، كنت أحب الرسم، وأجد نفسي في الألوان والخطوط، قبل أن أعرف أن هذا الشغف سيقودني يوماً إلى الكاميرا.
ثم جادات كاميرات الأفلام.
في طفولتي، كنت أقتطع من مصروف الفسحة لأشتري كاميرتي الأولى، وأقتطع منه مرة أخرى لشراء الأفلام. لم تكت أسرتي تمنعني من ذلك، ولم تكن عاجزة عن توفيره، لكنني كنت أريد أن أنفق على الشيء الذي أحببته من مالي.
لم أكن أعرف وقتها ماذا سيصبح هذا الحب، ولا إلى أين سيقودني، لكنني كنت أؤمن أن الإنسان عندما ينفق على ما يحب، فإنه يتعامل معه بطريقة مختلفة.
كانت متعة التصوير تبدأ عند التقاط الصورة، ثم تأتي حركة سحب الفيلم بعد كل لقطة، وبعدها رحلة الانتظار حتى أذهب بالأفلام إلى المختبرات المتخصصة لتحميضها.
كنت أشعر وقتها أنني أحلق.
كانت حركة سحب الفيلم تشبه طيران طائر حر، والذهاب بالأفلام إلى المختبر يشبه سباقاً مع الزمن؛ أنتظر النتيجة، وأريد أن أعرف ماذا صنعت تلك اللقطة الصغيرة التي التقطتها قبل أيام.
ومع الوقت اكتشفت الأسرة هذا الشعف، وجاءني التوبيخ البسيط الذي ما زلت أتذكره:
لماذا لم تطلب منا؟
لكنني لم أكن أبحث عن كاميراً فقط.
كنت أبحث عن شيء أحببته قبل أن أعرف اسمه.
قصة الصورة بدأت من الضوء
كلما عدت إلى تاريخ التصوير، أجد أن البداية أقدم من الكاميراً نفسها.
إنها تبدأ من الضوء.
قبل أكثر من ألف عام، درس الحسن بن الهيثم الضوء والرؤية دراسة قائمة على الملاحظة والتجربة والاختبار، وكان كتابه في البصريات من الأعمال المؤثرة في تاريخ هذا العالم. وتعده اليونسكو من رواد البصريات الحديثة، كما تبرز من منهجيه أهمية التجربة في اختيار الفرضيات.
لم يكن ابن الهيثم مصوراً بالمعنى الذي نعرفه اليوم، ولم يخترع الكاميراً الفوتوغرافية، لكن فهم الضوء والرؤية كان جزءاً من الطريق العلمي الطويل انتهى بالإنسان إلى صناعة الصورة وتثبيتها.
ثم ظهرت الكاميراً المظلمة، وتطورت المواد والعدسات وطرق تثبيت الصورة، حتى جاء القرن التاسع عشر بمحطات مفصلية في تاريخ التصوير.
وفي ١٩ أغسطس ١٨٣٩ أعلن في باريس عن عملية الداغيروتايب التي طورها لويس داغير، وكانت من أهم المحطات المبكرة في التصوير الفوتوغرافي؛ ومن هنا ارتبط هذا التاريخ لاحقاً بالاحتفال بالتصوير.
بعدها لم يتوقف التطور.
جاء الفيلم، ثم التصوير الملون، ثم الكاميرات الإلكترونية والرقمية، ثم أصبحت الكاميراً جزءاً من الهاتف الذي نحمله في أيدينا.
تغيرت الأدوات بشكل هائل، لكن بقي السؤال نفسه:
ماذا نريد أن نقول بالصورة؟
من طفل يحمل كاميراً إلى مصور في الإعلام
مع دخولي المرحلة المتوسطة، بدأت الكاميراً تخرج من نطاق الأسرية والطبيعية.
عرف أصدقائي أنني أحب التصوير، وكان بالنسبة لي امتدادً طبيعياً للرسم أحببته منذ طفولتي.
وفي المرحلة الثانوية اقتنيت أول كاميراً DSLR احترافية، وبدأ اختمامي بالتصوير يتزامن مع اهتمامي بالإعلام. كانت المنتديات في ذلك الوقت مساحة مهمة للمصورين، بعضها إخباري وبعضها متخصص في التصوير.
ثم جاءت المرحلة الجامعية، وتزامن دخولي الأكاديمي إلى مجال الإعلام مع دخولي بشكل أكثر رسمية إلى العمل الإعلامي، والمشاركة في اللجان الإعلامية كمصور.
كنت أعتقد أنني هاوٍ يبحث عن صورة جيدة.
ولم أكن أدرك أنني كنت أتحول تدريجياً إلي مصور يمارس هذا العمل باحتراف.
تطورت معداتي مع تطور احتياجات العمل والإعلام والصحافة والعمل مع العملاء، لكنني لم أبع المعدات القديمة التي رافقتني في بداياتي.
كنت أحتفظ بها لأنها بالنسبة لي ليست مجرد أدوات.
كل كاميراً وعدسة وفيلم وألبوم يحمل جزءاً من الرحلة.
ولهذا أحرنني فقدان عدد من مقتنياتي أثناء انتقالنا من منزلنا قبل سنوات.
لم تكن خسارة معدات فقط؛ كانت خسارة أشياء عاشت معي سنوات من حياتي.
صورة خرجت من ألبومي
هناك صور لا تغير علاقتك بالكاميراً لحظة التقاطها، وإنما تغيرها عندما تخرج من ألبومك وتصل إلى الناس.
ومن الصور التي مازلت أعود إليها صورة وطنية التقطتها في مناسبة اليوم الوطني السعودي الـ ٨٤، ونشرتها لاحقاً عام ٢٠١٧م.
كنت أرتدى الزي السعودي وأمسك العلم السعودي بيدي، واخترت أن يكن المشهد بالأبيض والأسود مع إبقاء العلم بلونه الأخضر.
كنت أريد أن أقول من خلال الصورة شيئاً واضحاً بالنسبة لي:
الدين والوطن خط أحمر.
وكان للعلم السعودي معنى خاص؛ فهو يحمل شهادة التوحيد.
بعد نشر الصورة، لم تبق في حسابي فقط، بل شاركت بها في معارض ومسابقات، وكانت من أعمالي التي شاركت بها في منطقة عسير عدة مرات، ومن بينها معرض ” الوطن في عيون المصورين” في جامعة الملك خالد.
وبعض الزملاء أطلقوا عليها اسم ” الجوكر”
وهنا بدأت أكتشف أن الصورة يمكن أن تكون لها عمر أطول من اللحظة التي التقطت فيها.
يمكن أن تنتقل من ألبوم المصور إلى معرض، ومن شاشة الهاتف إلى ذاكرة الناس.
وهذا واحدة من اللحظات التي غيّرت علاقتي بالكاميراً، لأنني بدأت أرى أن الصورة ليست فقط شيئاً أحتفظ به، بل عملاً يمكن أن يصل إلى الآخرين ويحمل رسالة.
المصور لا يصور الكاميراً… بل الإنسان
تصوير الناس علمني الصبر.
وعلمني أن أكون مبتسماً، لأن الإنسان عندما يقف أمام الكاميراً يبدأ غالباً في التفكير في شكله أكثر مما يفكر في الصورة نفسها.
يريد أن يظهر بأفضل هيئة، وأحياناً يقول لي “ضبطنا فوتوشوب”
وأبتسم؛ لأن البعض يعتقد أن الفوتوشوب يستطيع أن يصنع منه شخصاً آخر.
صحيح أن الكاميراً تختلف عن العين المجردة، وأن العدسة والإضاءة والزاوية والمعالجة تستطيع أن تغير شكل الصورة، لكنني تعلمت أن مهمة المصور ليست صناعة إنسان جديد.
المهمة أن تري الإنسان كما هو، ثم تبحث عن أفضل ما فيه، وتحافظ على ملامحه وحضوره.
مع كثوة تصوير الناس، أصبحت أكثر اقتناعاً بأن المصور يحتاج إلى أن يفهم الإنسان قبل أن يفهم الكاميراً.
حائل بعين المصور
زرت مناطق ودول كثيرة للعمل والسياحة، ورأيت جمالاً مختلفاً في كل مكان، لكن حائل بالنسبة لي مختلفة.
ربما لأنني ابن المكان، وأعرف تفاصيله أكثر.
حائل مدينة ذات تضاريس متنوعة، وبعد تاريخي عميق، وكلما خرجت إليها بالكاميراً اكتشفت أن هناك تفاصيل لم أرها بالطريقة نفسها من قبل.
ومع مرور السنوات تغيرت عيني كمصور.
لم أعد أبحث فقط عن المكان الجميل.
أصبحت أبحث عن نقطة القوة في المكان.
حتى المكان الذي قد يراه شخص عادياً أو أقل جمالاً، يمكن أن أرى فيه زاوية، أو ضوءاً، أو تكويناً يجعله مختلفاً.
المصور لا يغير المكان.
لكنه يستطيع أن يغير طريقة رؤيته.
أصبحت أرى الصورة قبل أن ألتقطها
مع السنوات أصبحت لا أرفع الكاميراً بمجرد أن أرى مشهداً جميلاً.
أتأمل أكثر.
أحاول أن أبني في ذهني سيناريو للصورة، وأتوقع ما سيحدث بعد لحظة، وأين سيكون الشخص، وكيف سيتحرك الضوء، وما الذي أريد أن يبقى داخل الإطار.
وأحيانا تكون اللحظة التي أرى فيها المشهد مختلفة عن اللحظة التي أحدد فيها الصورة التي أريدها.
وهذا علمني الانتظار.
فالمصور لا يحتاج فقط إلى معرفة متى يضغط زر التصوير، بل يحتاج أيضاً إلى متى لا يضغطه.
وقد خسرت صوراً كثيرة لأنني لم أضغط في الوقت المناسب.
لكنني تعلمت منها.
وأصعب ما تعلمته أن بعض الأماكن تكون أجمل بكثير من قدرتك على تخزينها في بطاقة ذاكرة.
قد تصل إلى موقع وأنت مجهز بالكامل، ثم تنفد البطاريات أو تمتلئ الذاكرة، وتجد نفسك أمام مشهد لا تستطيع تصويره كما تريد.
لكن هناك درساً آخر أهم:
أحياناً ينشغل المصور بتوثيق المكان إلى درجة أنه ينسى أن يعيش المكان.
ومنذ ذلك الوقت أصبحت أعرف آن بعض اللحظات يكفي أن أراها بعيني.
فليست كل الذكريات تحتاج إلى بطاقة ذاكرة.
من عين الأنسان إلى عين الصقر
ثم جاءت تجربة التصوير الجوي بالطائرات دون طيار، وكانت بالنسبة لي انتقالاً إلى منظور مختلف.
اعتدت سنوات أن أرى المكان من مستوى العين، ثم أصبحت أراه من الأعلى.
الطرق والمباني والتضاريس والمساحات التي أعرفها من الأرض أصبحت تبدو مختلفة تماماً أراها من السماء.
اسميها عين الصقر.
التصوير الجوي لم يمنحني زاوية جديدة فقط؛ بل علمني أن المكان الواحد يمكن أن يحمل أكثر من قصة، وأن تغيير موقع المصور قد يغير الصورة بالكامل.
الصورة التي جعلتني أنظر إلى نفسي بشكل مختلف
من أجمل اللحظات التي مررت بها كمصور أن يصل عملك إلى شخص لم تكن تتوقع أن يتوقف عنده.
ومن المواقف التي بقيت معي، إشادة صاحب السمو الملكي الأمير عبد العزيز بن سعد بن عبد العزيز، أمير منطقة حائل،
بأحد أعمالي التي صورت فيها سموه، عندما قال عن الصورة:
” الصورة أجمل من الطبيعة”.
هذه الجملة بقيت معي.
ليس لأنها مجاملة، وإنما جاءت من شخص كان هو نفسه داخل الصورة.
في تلك اللحظة تشعر أن كل الساعات التي قضيتها خلف الكاميراً، وكل المحاولات والتجارب والأخطاء، يمكن أن تختصرها جملة واحدة.
مثل هذه اللحظات لا تجعلني اشعر بالغرور.
بل تعطيني طاقة إيجابية إضافية.
تجعلني أريد أن أخرج وأبحث عن الصورة التالية.
التصوير اليوم… عندما لم تعد كل صورة دليلاً على الحقيقة
اليوم لم تعد الكاميراً مجرد عدسة وفيلم.
أصبح لدينا التصوير الرقمي، والتصوير الحاسوبي، والكاميرات الموجودة في الهواتف، ثم جاءت تقنيات الذكاء الاصطناعي التي تستطيع تعديل الصور بدرجات كبيرة، بل وإنشاء صور لم تحدث أمام الكاميراً أصلاً.
وهنا أصبح التصوير أمام سؤال جديد:
إذا كان بإمكاننا صناعه صورة لشيء لم يحدث، فما الذي يجعل الصورة دليلاً على ما حدث فعلاَ؟
وهنا أعتقد أن قيمة المصور الحقيقي أصبحت أكثر.
فالصورة الصحفية والوثائقية أو الصورة بشكلها العام ليست مجرد صورة جميلة.
إنها شهادة.
والصورة التي توثق مكاناً أو أنساناً أو حدثاً تصبح جزءاً من الذاكرة والتاريخ.
لذلك لم يعد المطلوب من المصور أن يعرف كيف يلتقط صورة فقط، بل أن يعرف ماذا يلتقط، ولماذا يلتقطه، وما الذي يريد أن يبقى من خلاله.
لماذا ما زلنا نحتاج إلى التصوير؟
لأن الزمن لا ينتظر.
الأشخاص يتغيرون.
الأماكن تتبدل.
المباني تختفي.
المدن تتوسع.
واللحظة التي أمامك الآن لن تعود بالطريقة نفسها.
لكن صورة واحدة يمكن أن تحفظ شيئاً منها.
لهذا أرى التصوير أكثر من هوية أو مهنية.
هو ذاكرة، ووثيقة، وفن، وإعلام، وتاريخ، وهوية.
الصورة تختصر أحياناً قصة كاملة في لحظة واحدة.
وقد تجعل شخصاً يرى مكاناً لم يزره، أو يتعرف على إنسان لم يقابله، أو يعود إلى زمن عاشه قبل سنوات.
وهذه هي القيمة الحقيقية للصورة.
أنها تمنح اللحظة فرصة أخرى للحياة
من مصروف الفسحة إلى صوت الشتر
عندما أنظر إلى رحلتي اليوم، أرى طريقاً طويلاً بدأ من طفل يحب الرسم.
طفل يقتطع من مصروف الفسحة ليشتري فيلماً.
ثم كاميراً
ثم صوراً وألبومات ومختبرات تحميض.
ثم DSLR.
ثم إعلام.
ثم المعارض والمسابقات.
ثم العمل مع الجهات الرسمية والقطاع الخاص.
ثم التصوير الجوي.
ثم التجربة الأكاديمية والمهنية، وصولاً إلى عضويتي في الاتحاد الدولي لفن التصوير الفوتوغرافي FIAP، الذي يضم جمعيات وأعضاء في دول متعددة، وتظهر السعودية ضمن أعضائه التشغيليين.
لكن رغم كل هذه السنوات، لم أشعر أنني وصلت إلى النهاية.
لأن المصور، في رأيي، لا ينتهي من التعلم.
كلما تغيرت عينه، تغيرت الصور التي يبحث عنها.
وكلما عرف المكان أكثر، اكتشف فيه شيئاً جديداً.
وكلما صور الناس أكثر، فهم الإنسان أكثر.
واليوم، في اليوم العالمي للتصوير، عندما أتذكر كل هذه الرحلة، لا أرى أمامي عشرات الكاميرات ولا آلاف الصور فقط.
أرى طفلاً كان يحب الرسم، ثم وجد في الكاميراً وسيلة أخرى للرؤية.
أرى الأفلام التي كنت أشتريها من مصروف الفسحة.
أرى الصور التي بقيت، والصور التي ضاعت، والمعدات التي فقدتها، والمعارض التي شاركت فيها، والوجوه التي صورتها، والأماكن التي عدت إليها أكثر من مرة لأبحث عن زاوية جديدة.
وأرى أن شيئاً واحداً لم يتغير منذ البداية:
ما زلت أحب أن أرى.
وما زلت عندما أقف أمام مشهد جميل، لا أفكر فقط في جماله، بل في اللحظة التي ستجعله صورة.
قد يتغير الضوء.
قد تتغير الكاميرات.
قد تتغير العدسات.
وقد يأتي يوم لا نعرف فيه إن كانت الصورة التي أمامنا التقطت بالكاميراً أم صنعتها الخوارزمية.
لكم المصور سيبقى أمام السؤال نفسه.
ماذا يستحق أن يُحفظ؟
وهذا هو السؤال الذي يجعني، بعد كل هذه السنوات، مازلت أحمل الكاميراً.
أنتظر اللحظة.
أتنفس.
أضغط الزر.
ثم أسمع ذلك الصوت الذي رافقني منذ البدايات، وما زال حتى اليوم من أجمل الأصوات التي أعرفها:
صوت الشتر.
بقلم: محمد المخلف
منصة X: LENSMMR







