في السنوات الأخيرة، ازداد حضور المسلسلات التي تعود بنا إلى حقب زمنية محددة؛ السبعينات، الخمسينات، أو حتى بدايات الألفية. هذا النوع من الأعمال لا يكتفي بسرد حكاية، بل يسعى – نظريًا – إلى إعادة خلق زمنٍ كامل: روحه، لغته، إيقاعه، وذاكرته الجمعية. لكن ما يحدث في كثير من هذه الأعمال هو انزلاق خفي من “الدراما” إلى “الاستعراض”، ومن “الحكاية” إلى “المعرض”.
نحن أمام ظاهرة يمكن تسميتها بـ “فتنة التفاصيل”.
حين نشاهد مسلسلًا تدور أحداثه في السبعينات، نجد أنفسنا أمام سيلٍ من العلامات: سيارة قديمة تُصوَّر كما لو كانت بطلًا دراميًا، جهاز تسجيل يلتهم الكادر، فستان بنقشة كلاسيكية، وصوت عبدالحليم حافظ ينساب طويلًا في مشهد لا ينتهي. كل شيء يقول لنا: “انتبهوا، نحن في الماضي!”
لكن السؤال الجوهري:
هل يكفي أن نُعيد تشكيل ملامح الزمن لنخلق دراما حقيقية؟
المشكلة لا تكمن في التفاصيل نفسها، بل في طريقة توظيفها. التفاصيل في جوهرها أدوات، وليست غاية. هي وسيلة لجعل المشاهد يصدق العالم الذي تدور فيه الأحداث، لا لإبهاره على حساب المعنى. عندما تتحول التفاصيل إلى بطل رئيسي، تبدأ الحكاية بالتراجع، وكأن النص يهمس: “لا أملك الكثير لأقوله، لكن انظروا كم أنا دقيق في إعادة بناء الماضي”.
في هذه الحالة، يصبح العمل أقرب إلى كتالوج بصري يستعرض ملامح تلك الفترة أكثر مما يروي حكاية حقيقية؛ نرى شكل الأثاث كما كان آنذاك، ونسمع الأغاني التي كانوا يترددون عليها، ونتعرّف على طريقة المراسلات الورقية، بل وحتى حوارات عابرة عن فيلم جديد لـ سعاد حسني يتحدث عنه الجميع. كل ذلك يُقدَّم بوصفه دليلًا على دقة الزمن، لكن وسط هذا الاستعراض، يبرز السؤال الأهم: أين الإنسان؟ أين الصراع؟ وأين التحول؟
ومع ذلك، من المهم التوضيح أن الإشكال لا يكمن في التفاصيل ذاتها، ولا في العناية الدقيقة بإعادة تشكيل ملامح الحقبة الزمنية. على العكس تمامًا، هذا الاهتمام يُعد عنصرًا جماليًا ومعرفيًا بالغ الأهمية، ويساهم في إقناع المشاهد وفتح نافذة حسية على زمن لم يعشه. فمشهد تُعزف فيه أغنية لـ عبدالحليم حافظ، أو حوار عابر عن فيلم جديد لـ سعاد حسني، يمكن أن يكون لحظة ثرية ومؤثرة إذا جاء منسجمًا مع السياق الدرامي. لكن الإشكالية تبدأ حين تتحول هذه التفاصيل من عناصر داعمة إلى مركز ثقل العمل، فتطغى على القصة وتزاحمها، بدل أن تخدمها وتعمّقها. فالتوازن هنا ليس خيارًا جماليًا فحسب، بل شرط أساسي لبقاء الدراما دراما، لا مجرد استعراضٍ متقن لزمنٍ مضى.
الدراما الحقيقية لا تُقاس بمدى دقة “الديكور”، بل بمدى عمق “المأزق الإنساني”. الزمن ليس بطلًا، بل خلفية. وعندما يُعامل كـ“بطل”، يفقد العمل توازنه. نشعر وكأن الشخصيات مجرد دمى تتحرك داخل متحف، لا كائنات حية تعيش وتخطئ وتتحول.
الأخطر من ذلك هو الافتعال.
حين يُقحم الحوار بشكل فجّ ليشرح للمشاهد حدثًا سياسيًا أو عملًا فنيًا، نشعر أن الشخصيات لم تعد تتحدث مع بعضها، بل معنا نحن. وكأنها تكسر الجدار الرابع دون وعي، لتقدم درسًا تاريخيًا أكثر من كونها تعيش لحظة درامية. هنا يفقد النص صدقه، ويتحول إلى خطاب توضيحي.
المفارقة أن بعض هذه الأعمال، رغم ضعف حبكتها، تبدو “جميلة” بصريًا. وهذا ما يجعلها خادعة. فالمشاهد قد ينجذب في البداية إلى الحنين (النوستالجيا)، إلى الأغاني القديمة، إلى الإضاءة الدافئة، إلى تفاصيل الحياة البسيطة. لكن هذا الانجذاب لا يدوم، لأن الحنين وحده لا يصنع قصة.
الحنين شعور، لكنه ليس حبكة.
يمكننا هنا التمييز بين نوعين من الأعمال:
* أعمال تستخدم الحقبة كوسيلة:
حيث تكون السبعينات (مثلًا) مجرد سياق يؤثر على الشخصيات، يحدد خياراتهم، يضغط عليهم، لكنه لا يبتلعهم. هنا الزمن يخدم القصة.
* أعمال تستخدم القصة كذريعة:
حيث تكون الحكاية مجرد خيط ضعيف لتعليق التفاصيل عليه. هنا القصة تخدم الزمن.
وفي الحالة الثانية، يقترب العمل فعلًا من الشكل الوثائقي، لكنه وثائقي غير صريح؛ لا يقدم معرفة عميقة، ولا يقدم دراما مكتملة، بل يقف في منطقة رمادية بين الاثنين.
العمل الدرامي الناجح في الحقبة الزمنية ليس ذلك الذي يقول: “هكذا كانت الحياة”،
بل الذي يجعلنا نشعر: “هكذا كان الإنسان”.
هناك فرق شاسع بين إعادة إنتاج الأشياء، وإعادة إنتاج الإحساس.
فالمشاهد لا يريد أن يرى فقط كيف كانت تُكتب الرسائل، بل يريد أن يشعر بارتباك من يكتبها، بانتظار الرد، بثقل الغياب. لا يريد أن يسمع أغنية كاملة لـ عبدالحليم حافظ بقدر ما يريد أن يفهم لماذا اختارتها الشخصية تحديدًا في تلك اللحظة.
في النهاية، ليست المشكلة في العودة إلى الماضي، بل في طريقة النظر إليه.
هل ننظر إليه كزمن حيّ مليء بالتناقضات والصراعات؟
أم كواجهة جمالية نعرضها بإعجاب؟
الدراما التي تنجح هي تلك التي تدرك أن الزمن لا يُرى… بل يُعاش.
ماريا الخنيزي
