هناك أشياء لا تحتاج إلى تعريف طويل كي يعرفها الناس. أغنية جديدة لفنان مشهور تنتشر وحدها خلال ساعات، ومباراة كرة قدم تتحول إلى حدث عالمي يتابعه الملايين في اللحظة نفسها، ومسلسل تلفزيوني يفرض نفسه على أحاديث المقاهي ووسائل التواصل دون عناء كبير في الترويج. في المقابل، نجد أن كتابًا جديدًا، أو جلسة حوارية، أو ندوة فكرية، أو حتى إصدار رواية لكاتب معروف، يحتاج إلى حملات دعائية متكررة، وتصميمات ترويجية، ومحاولات مستمرة لإقناع الجمهور بالحضور أو القراءة.
وهنا يبرز سؤال يبدو بسيطًا في ظاهره، لكنه عميق في جوهره: لماذا يبدو المنتج الثقافي أقل جماهيرية دائمًا، رغم أنه يحمل في داخله ما هو أعمق وأكثر بقاءً؟
لفهم ذلك، لا بد أولًا من التمييز بين “الانتشار” و”القيمة”. فالانتشار السريع لا يعني بالضرورة جودة أعلى، كما أن محدودية الانتشار لا تعني ضعفًا في المحتوى. المسألة تتعلق بطريقة عمل كل نوع من هذه المنتجات داخل الوعي الجمعي. فهناك منتجات تعمل بمنطق “الاستجابة الفورية”، وأخرى تعمل بمنطق “التراكم البطيء”.
الأغنية الشهيرة أو الحدث الرياضي العالمي تنتمي إلى النوع الأول. إنها تعتمد على عناصر جاهزة للتلقي الفوري: الإيقاع، والعاطفة، والمنافسة، والانتماء الجماعي. لا يحتاج الجمهور إلى شرح، ولا إلى تدريب مسبق، ولا إلى وقت طويل لفهم ما يحدث. لهذا السبب تتحول هذه الأحداث إلى ظواهر جماهيرية، لأن الجمهور نفسه يصبح جزءًا من عملية انتشارها.
أما المنتج الثقافي، فيسلك طريقًا مختلفًا تمامًا. فالكتاب، أو الندوة الفكرية، أو الجائزة الأدبية، لا تُستهلك في لحظة واحدة، بل تتطلب وقتًا فرديًا، وتركيزًا، واستعدادًا ذهنيًا. ولذلك فإن تأثيرها لا يظهر دفعة واحدة، بل يتشكل ببطء داخل القارئ أو المتلقي.
خذ مثالًا جائزة أدبية مرموقة؛ فرغم قيمتها الفكرية الكبيرة، فإن حضورها الجماهيري يظل محدودًا إذا ما قورن ببطولة رياضية عالمية. وليس السبب أن الأدب أقل قيمة، وإنما لأن القراءة فعل فردي، بينما الرياضة تجربة جماعية. الأول يبني المعنى داخل الإنسان، والثانية تصنع الانفعال بين الناس.
ولعلنا نرتكب خطأ حين نحاول تفسير هذه الفجوة بمعيار واحد هو “التسويق”. فالتسويق، كما نفهمه اليوم، وُلد أساسًا داخل الأسواق التجارية، حيث تكون الغاية إقناع المستهلك بالشراء. أما الثقافة، فهي لا تقدم سلعة بالمعنى التقليدي، بل تقدم فكرة، وسؤالًا، ورؤية للعالم. إنها لا تعرض شيئًا يمكن امتلاكه بسهولة، بل تجربة لا تكتمل إلا بمشاركة المتلقي نفسه.
ولهذا فإن التسويق الثقافي لا ينبغي أن يبدأ بالسؤال: كيف نجعل الناس يشترون المنتج؟ بل: كيف نجعلهم يرغبون في اكتشافه؟
فالكتاب لا يُسوَّق لأنه مجموعة من الأوراق، بل لأنه يحمل فكرة قد تغير نظرة إنسان إلى الحياة. والندوة لا تُسوَّق لأنها تجمع متحدثًا وجمهورًا في قاعة، بل لأنها تمنح فرصة لرؤية العالم من زاوية جديدة. والرواية لا تُقاس بعدد صفحاتها، بل بعدد الأسئلة التي تتركها مفتوحة في ذهن قارئها.
وهنا يكمن الفرق بين التسويق التجاري والتسويق الثقافي. الأول يَعِدُ بالمتعة السريعة أو المنفعة المباشرة، أما الثاني فلا يستطيع أن يقدم الوعد نفسه. إنه لا يبيع اللذة الفورية، بل يدعو إلى رحلة. لا يقول للإنسان: “ستستمتع الآن”، بل يقول له: “قد تخرج من هنا شخصًا مختلفًا.”
ولعل هذا ما يجعل اللغة التسويقية المعتادة تبدو عاجزة أمام الثقافة. ففي المتاجر نجد عبارات مثل: “اشترِ واحدًا واحصل على الآخر مجانًا”، أو “لا تفوّت الفرصة”، أو “استمتع بأفضل تجربة”. أما حين يتعلق الأمر بكتاب في الفلسفة، أو ندوة في الأنثروبولوجيا، أو أمسية شعرية، فإن هذه اللغة تبدو غريبة عن طبيعة ما يُقدَّم.
الثقافة لا تحتاج إلى المبالغة في الوعد، بل إلى الصدق في الدعوة. إنها لا تحتاج إلى صناعة رغبة مصطنعة، بقدر ما تحتاج إلى إيقاظ فضول نائم. فالفضول هو السوق الحقيقي للثقافة، لا الإغراء.
وربما هنا يظهر سؤال فلسفي أعمق: هل كانت الثقافة يومًا هي النشاط الأكثر جماهيرية في حياة البشر؟
حين ننظر إلى الماضي، نتخيل أحيانًا أن الشعراء والفلاسفة كانوا يحتلون مركز المشهد الاجتماعي، لكن التاريخ الذي وصلنا ليس هو التاريخ الذي عاشه الناس يومًا بيوم. فما بقي في الذاكرة هو الأعمال التي قاومت الزمن، لا الأشياء التي استحوذت على اهتمام الناس في لحظتها.
ربما كانت الأسواق، والاحتفالات، والمسابقات، وأشكال الترفيه المختلفة، أكثر حضورًا في حياة المجتمعات القديمة مما نتخيل. لكن الزمن لم يحتفظ بها كما احتفظ بالكتب، والقصائد، والفلسفات. ولهذا يخدعنا التاريخ أحيانًا، فنظن أن الثقافة كانت دائمًا في الصدارة، بينما لعلها كانت، كما هي اليوم، أقل ضجيجًا، لكنها أكثر بقاءً.
ولعل الخطأ الأكبر الذي نقع فيه هو أننا نقيس النجاح الثقافي بالمعايير نفسها التي نقيس بها النجاح التجاري. فنقارن عدد قراء رواية بعدد مشاهدي مباراة، أو عدد حضور ندوة بعدد متابعي حفل غنائي، وكأن هذه الأشياء تنتمي إلى العالم نفسه.
لكنها لا تنتمي إليه.
فبعض المنتجات تُقاس بسرعة انتشارها، وبعضها يُقاس بعمق أثرها. وبعضها يعيش أسبوعًا، وبعضها يعيش قرونًا.
ولذلك، فإن نجاح المنتج الثقافي لا يكمن في أن ينافس وسائل الترفيه في قدرتها على جذب الانتباه، بل في أن يحافظ على ما يميزه وهو يقترب من الناس. فليس المطلوب أن تتحول الثقافة إلى إعلان تجاري، وإنما أن تتعلم كيف تتحدث بلغة الإنسان، دون أن تتخلى عن لغتها هي.
وهذا هو جوهر التسويق الثقافي الحقيقي. فهو لا يصنع قيمة العمل، بل يكشفها. ولا يخلق المعنى، بل يساعد الناس على الاقتراب منه. إنه لا يبيع الكتاب، بل يفتح الباب إلى العالم الذي يخبئه الكتاب. ولا يبيع الندوة، بل يوقظ السؤال الذي سيخرج به الحاضر منها.
وربما لهذا السبب، لا ينبغي أن يكون السؤال: لماذا يصعب تسويق المنتج الثقافي؟
بل: كيف يمكن للتسويق نفسه أن يتغير عندما يكون موضوعه فكرة، لا سلعة؟ ومعنى، لا منفعة؟ وإنسانًا، لا مستهلكًا؟
لأن بعض الأشياء لا تُباع…
بل تُكتشف.
ماريا الخنيزي
