«لا غنى للعرب عن مصر، ولا غنى لمصر عن العرب» بقلم / سمو العتيبي

«لا غنى للعرب عن مصر، ولا غنى لمصر عن العرب.» بهذه العبارة الخالدة لخّص الملك عبدالعزيز -رحمه الله- مكانة مصر في وجدان العرب، وهي عبارة لم تبقَ مجرد مقولة تاريخية، بل تحولت إلى واقع يعيشه السعوديون والمصريون في تفاصيل الحياة اليومية، حيث تعبّر المواقف البسيطة عن عمق المحبة أكثر مما تعبّر عنه الخطب والشعارات.

بين مصر والسعودية تمتد علاقة لا تُقاس بالمسافات، بل بما يلمسه الزائر من دفء ومحبة. فالمصري، بروحه المرحة، يفتح باب الودّ بلا تكلّف، والسعودي، بطبعه الكريم، يبادل المحبة بمحبة، فتتشكل بينهما ألفة تنشأ منذ اللقاء الأول.

اليوم، يُرتّل الشعبان لحن الأخوّة في طريقٍ تمهّده المشاعر، فتتقدم المحبة صفوف الدبلوماسية. ومن بين المواقف التي تعبر عن هذا الود، ما شهدناه في القاهرة خلال شهر أبريل من هذا العام (2026م). . فقد طلبنا سيارة عبر تطبيق «أوبر»، وما إن ركبنا حتى لفتت انتباهنا تعليقة تتدلّى من مرآة السائق الأمامية تحمل صورة للجواز السعودي. سألت إحدى الزميلات السائق -وكان مصريًا- عن سبب تعليقها، فقال إنه يعشق السعودية ويحتفظ بهذه الصورة لأنها تذكّره بأيام جميلة عاشها هناك. ولم يكن وجود صورة الجواز مقصودًا؛ فالحجز تم عبر التطبيق، ولم يكن السائق يعلم أن من سيستقل السيارة سعوديات. كانت مجرد صدفة لطيفة، لكن إجابته البسيطة والصادقة حملت محبة عفوية من قلب مصري تجاه المملكة، وأضافت إلى رحلتنا لمسة إنسانية جميلة.

ولم تكن تلك اللحظة الوحيدة؛ فالقاهرة، بطبعها، لا تبخل على زائرها بمواقف تشبه أهلها. فعلى ضفاف النيل، وفي ممشى أهل مصر الذي يزدحم بالحياة، استقللنا أحد المراكب، وكان الكابتن يشغّل الأغاني الشعبية المصرية طوال الرحلة. وما إن لاحظ وجود عائلات سعودية حتى غيّر الأغنية إلى «هذا السعودي فوق فوق»، في تحية لطيفة تحمل روح المصريين المرحة. كانت الأغنية جسرًا صغيرًا من الود بين ضفاف النيل وأبناء المملكة.

ومثلما حمل النيل رسالة محبة، حملت شوارع القاهرة وروّاد مطاعمها الروح نفسها في كل لقاء. ففي كل مكان كنا نقصده، كان العاملون يستقبلوننا بترحاب جميل، مردّدين بلهجتهم المحببة: «نورتوا مصر».

وفي مطعم ومسرح «صاحب السعادة»، كان المشهد أشبه بكرنفال صغير؛ أزياء تنكرية لشخصيات متنوعة، إلى جانب من يرتدون الزي المصري الشعبي ويرقصون بالعصي في عرض يفيض بالحيوية. وبين كل تلك الألوان والحركة، كان هناك شاب يُدعى صلاح يؤدي رقصة التنورة بمهارة لافتة، يدور بثبات كأن الأرض هي التي تتبعه.

لكن ما جعل العرض أكثر طرافة أن صلاح لم يكتفِ بالرقص؛ بل كان يتحدث طوال الوقت، يمزح ويعلّق ويطلق النكات على الحضور، حتى بدا وكأن بضع دقائق من حديثه تكفي لإضحاكنا أسبوعًا كاملًا. كانت خفة دمه جزءًا من العرض نفسه، وكان حضوره مزيجًا من الفن وخفة الدم المصرية التي تحوّل أي لحظة إلى ذكرى جميلة.

وما إن تنتقل من ضحكات المسرح إلى عبق التاريخ، حتى تدرك أن مصر تجمع بين البهجة والأصالة في مشهد واحد. وفي شارع المعز، تشعر وكأن التاريخ يستيقظ من سباته ليحكي فصولًا من حضارة لا تزال حاضرة في كل حجر.

في مصر، النكتة لا تُفتَّش عنها؛ هي التي تجدك. ولا غرابة أن تتكرر المواقف الطريفة أينما اتجهت. فعند عودتنا إلى الفندق طلبنا سيارة، وما إن ركبنا حتى استقبلنا السائق -وكان مصريًا- بالترحيب. وبعد دقائق من الطريق، بدأ يحكي لنا قصته وهو يضحك على نفسه، قائلاً إنه زار السعودية مرتين في حياته.

كانت زيارته الأولى لأداء العمرة، وما إن عاد إلى مصر حتى تفشّت جائحة كورونا وأُعلن الحظر في المملكة، فاستقبله والده بالمزاح قائلاً: «شكلك نحس… ما تروحش السعودية تاني!».

ثم عاد السائق لزيارة المملكة هذا العام، وما إن رجع إلى مصر حتى سمع بخبر إطلاق إيران صواريخ باتجاه السعودية، فاستقبله والده كعادته بالمزاح قائلاً: «أهو ده اللي ناقص… ما تروحش لهم تاني!».

القصص كثيرة وجميلة، ومثل هذه المواقف جزء من طبيعة المصريين التي ترافقهم في كل حديث. ففي مصر يلمس الزائر خفة روح يصعب تجاهلها؛ دعابة تولد في اللحظة بلا ترتيب، ونكتة تخرج بعفوية كأنها جزء من الهواء الذي يتنفسه الناس هناك. وما يميزهم أن الضحك ليس محاولة لإبهار أحد، ولا صناعة تحتاج إلى جهد، بل هو حضور طبيعي يرافق حديثهم اليومي ويمنح المواقف العادية دفئًا لا يشبه إلا المصريين.

ليست العلاقات بين الشعوب وليدة المصالح فقط، بل تُبنى عبر التاريخ، وتترسخ بالمواقف، وتزدهر بالمحبة والاحترام المتبادل. ومن بين النماذج العربية التي جسدت هذا المعنى بأبهى صوره، تبرز العلاقة بين الشعبين السعودي والمصري بوصفها علاقة أخوية عميقة تجاوزت الأطر الرسمية، لتصبح امتدادًا لروابط إنسانية وثقافية وحضارية راسخة.

وهكذا تتكامل الصورة؛ تاريخ يصنع جذور العلاقة، ومواقف يومية تمنحها حياة متجددة. فالأخوّة الحقيقية لا تُحفظ في الوثائق وحدها، بل تعيش في تفاصيل الناس، وفي كلمة ترحيب، وابتسامة عابرة، وموقف صادق يبقى في الذاكرة طويلًا.

وإذا كانت العلاقات بين الدول تُوثَّق بالاتفاقيات، فإن العلاقات بين الشعوب تُكتب بالمحبة، وتبقى محفوظة في الذاكرة. تلك هي مصر التي عرفناها، وذلك هو الشعب المصري الذي استقبلنا بقلبه قبل أن يستقبلنا بيديه، فله منا كل الشكر والتقدير والمحبة.

زر الذهاب إلى الأعلى