عام ممتد وشغفٌ منطفئ … بقلم الإعلامية / سمو العتيبي

عامٌ طال حتى أثقل الخطى، بينما الشغف الذي كان يضيء الدرب اختفى… فوجد أبناؤنا أنفسهم في عامٍ ممتد، لكن أثره في نفوسهم أقصر من أن يُرى.
انتهى العام الدراسي بثقله مع نهاية السنة الهجرية، لكن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه: هل أثمرت إطالة مدة الدراسة فائدة حقيقية؟
منذ الأسابيع الأولى للعام، بدأ الغياب يتزايد، وترددت الجملة ذاتها على ألسنة الطلاب وأولياء الأمور: “لاحقين على الدراسة… سيدرسون عامًا كاملًا”. أما طلاب المرحلة الثانوية، فقد انشغلوا عن التعليم الحقيقي بـ“شبح التحصيلي والقدرات”، ومع امتداد العام الدراسي، أصبح غياب يوم الخميس عادة غير رسمية لدى كثير من الأسر، ثم لحق به الأربعاء، بينما ظل الأحد يومًا متأرجحًا بين حضور وغياب.
وأنا لا أعمّم، لكن الواقع يؤكد أن المنتظمين هم الأقلية، وأن ما نراه ليس حالات فردية بل ظاهرة تستوجب الاعتراف والمعالجة، بعيدًا عن ادعاء المثالية.

أبناؤنا لا يحتفظون بالمعلومات، والخطوط رديئة، والأخطاء الإملائية فادحة… فكلمة “شكرًا” تُكتب “شكرن”، و“أنتِ” تُكتب “أنتي”، وهذا يشمل الكبار والصغار. أما الغياب، فحدّث ولا حرج.
فهل من الحكمة أن نُصرّ على نموذج لم يثمر؟

لقد فقد الطلاب شغفهم بالتعليم، وتراجع مستوى معرفتهم بالمفردات والمعلومات البديهية. وهذا مؤشر خطير. فإطالة العام الدراسي لم تُحقق جدوى، بل أضعفت الدافعية وزادت الغياب.

ما الذي نحتاجه؟ وما الذي تقتضيه المصلحة العامة؟

أولًا: تدوير المشرفين التربويين أسبوعيًا بدل بقاء مشرف واحد طوال العام، لضمان تجدد المتابعة وتنوع أساليب الرقابة.
ثانيًا: مطابقة قوائم الحضور بالواقع داخل الفصول، وإلزام الطلاب بالحضور طوال الأسبوع، خصوصًا يومي الخميس والأحد، مع متابعة يومية وتعليمات واضحة وجولات مفاجئة. ويكون ذلك بالترغيب لا الترهيب، مع مكافأة الفصول المنتظمة بالخروج المبكر يومًا في الأسبوع.

ثالثًا: استضافة الشخصيات المؤثرة من أكاديميين وعلماء ومشاهير وطنيين ممن تُفتح لهم القلوب، ليخاطبوا الطلاب بأسلوب ودي عن أهمية الانضباط والالتزام، بدءًا بالصلاة التي جعلها الله كتابًا موقوتًا، وصولًا إلى التعليم وسائر شؤون الحياة.

رابعًا: بدء العام الدراسي في محرم وانتهاؤه في نهاية شعبان، بما يحقق توازنًا صحيًا بين التعليم والإجازات.

خامسًا: اعتماد خطط تعليمية ذكية تُنجز المنهج دون إنهاك، ليتعلموا بذكاء وليس بجهد.

سادسًا: تغيير آلية التدريس والاختبارات بحيث يُختبر الطالب في كل وحدة فور الانتهاء منها، وتُعتمد نتيجتها ضمن التقييم النهائي. وعند الانتهاء من آخر وحدة، يُعد اختبارها هو الاختبار النهائي للمادة. ثم تُعاد جدولة الحصص بحيث تُوضع المادة المنتهية في الحصة الأخيرة، ليخرج الطلاب مبكرًا مكافأة لهم.

سابعًا: تحويل المدارس إلى مراكز صيفية بعد عيد الفطر إذا كان الهدف من إطالة الدراسة تقليص إجازة المعلمين. فالمراكز الصيفية تُنعش الروح، وتكسر الرتابة، وتُظهر إبداعات المعلمين والمعلمات التي يخنقها الروتين اليومي.

ماذا يمكن أن نقدّم في المراكز الصيفية؟

أولًا: استبدال المناهج بدورات في الخطابة، الشعر، الكشافة، والتطوع، إضافة إلى الحرف اليدوية بحيث يتعرّف الطالب أسبوعيًا على حرفة جديدة، فيكتشف ميوله وقدراته.

ثانيًا: برامج في الرسم، والرسم على الجدران، والرسم بالرمل، وتعلم اللغات، وتنمية مهارات الحوار.

ثالثًا: محاضرات عن مخاطر بعض الألعاب الإلكترونية، والتدخين، والفيب، يقدمها أطباء وأخصائيون اجتماعيون بأساليب عصرية.

رابعًا: زيارات ميدانية مدروسة تُثري التجربة التعليمية وتربط الطالب بالواقع.

خامسًا: اكتشاف مواهب الطلاب ومنحهم تعليمًا حيًا لا يعتمد على التلقين، إلى جانب اكتشاف مواهب المعلمين وفتح المجال أمامهم لتمثيل المملكة في المحافل العالمية.

وعندما يُنهي الطالب مراحله الدراسية، يكون قد تعرّف على ميوله، وامتلك وعيًا وبصيرة، فيقبل على اختيار تخصصه الجامعي بثقة. كما لا يغيب عن بالنا أن التعليم أغلى من المال، ويكفي أن النبي ﷺ جعل فداء أسرى بدر تعليم عشرة من المسلمين القراءة والكتابة. وقد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “تعلّموا العلم وعلّموه الناس.”

“التعليم كافٍ لتحقيق السعادة.” ونحن نريد لأبنائنا أن يتعلموا بسعادة، لا أن يجرّوا أقدامهم إلى المدارس. نريدهم أن يقبلوا على التعليم بقلوبهم وعقولهم، لا أن يكون مجرد تحصيل حاصل من أجل شهادة.
وقد قال أرسطو: “التعليم زينةٌ للمحظوظين وملاذٌ للمحرومين.”

في الختام
الإسلام جعل التعليم أساسًا لكرامة الإنسان، وبدأ رسالته بالأمر بالقراءة، ورفع منزلة العلماء، وجعل طلب العلم فريضة، ووصف النبي ﷺ نفسه بأنه معلّم، وربط بين العلم والهداية، وجعل تعليم الأبناء أعظم من الصدقة. وكان ﷺ يعلّم أصحابه بالحوار والتكرار والشرح المرئي، وهي أساليب تربوية حديثة سبق إليها الإسلام. ما نرجوه اليوم ليس عامًا أطول، بل أثرًا أبقى… نريد وعيًا تربويًا حقيقيًا، وتعليمًا يفتح العقول، لا تعليمًا يطيل الأيام فقط.
أبناؤنا أمانة… والتعليم مسؤولية. ألا هل بلغت؟ اللهم فاشهد.

زر الذهاب إلى الأعلى