بين أهلا ومهلا  بقلم سمو العتيبي

طرَق الباب قبل أن أستعد. لم أنتبه إلا وصوته يسبق خطواته: أهلاً.

التفتُّ، فإذا به يجلس في قلبي قبل أن يجلس في البيت.

 

قال لي أهلاً: جئتُ لأخفّف عنكِ، لأعيد ترتيب الفوضى في داخلك، ولأذكّركِ بما نسيتِ أنكِ قادرة عليه.

 

استقبلته ببهجةٍ غامرة، كما انتظرته بقلبٍ يشتعل شوقًا… وما إن تنعّمت بدفء حضوره، وتهذّبت روحي في ظلاله، وهدأت نبضاتي بقربه، واتّسع صدري بأنفاسه، وترقّقت عيوني بين يديه؛ حتى لمحته يلتفت إلى الباب… كأنه يتهيأ لوداعٍ مبكر.

 

قلتُ له بقلقٍ لم أستطع إخفاءه: مهلاً… لم نبدأ بعد!

فأجابني: لا تظنّيني سأنتظرك طويلًا… فأنا «أيامٌ معدودات».

 

مرّت الأيام العشرة الأولى كأنها مشاهد فيلمٍ سريع:

 

* ساعةٌ رملية تتسرّب حباتها بلا صوت.

* فوانيس تُضاء ثم تنطفئ قبل أن تعتاد العين نورها.

* مائدة تُرتّب ثم تُرفع قبل أن نشبع من دفئها.

 

كنتُ أظن أنني سأبدأ غدًا… ثم غدًا… ثم غدًا.

حتى اكتشفتُ أن الغد صار أمسًا، وأن رمضان يمشي بخطواتٍ لا تلتفت خلفها. وكيف أن الإنسان يكتشف فجأة أنه لم يبدأ بعد ما كان ينوي فعله.

 

“رمضان سوقٌ قام ثم انفضّ، ربح فيه من ربح، وخسر فيه من خسر”.

 

اقترب مني، ووضع يده على كتفي وقال:

لا تحزني لسرعتي… فالوقت ليس هو الحكمة.

أنا لا آتي لأطيل البقاء، بل لأملأه.

إن امتلأ قلبك بيومٍ واحد… فقد أدركتني.

 

أنا:

لكنني لم أشبع منك بعد.

لم أبدأ كل ما أردتُ فعله.

لم أصلح كل ما أردتُ إصلاحه.

 

ابتسم ابتسامةً تشبه نور السحر وقال:

الخير لا يُقاس بالكثرة، بل بالصدق.

والقرب لا يُقاس بطول الزمن، بل بعمقه.

إن خرجتِ مني بقلبٍ أنقى… فقد ربحتَ كل شيء.

 

يقول ابن الجوزي:

“إنما رمضان مضمارٌ للعباد، يستبقون فيه إلى طاعة الله، فسبق قوم ففازوا، وتخلّف آخرون فخابوا”.

 

ربما لم يأتِ رمضان ليطيل المقام، بل ليعلّمنا أن البركة ليست في عدد الأيام، بل في امتلائها.

وأن اللحظة الصادقة قد تسبق شهرًا كاملًا من التردّد.

وأن الضيف الكريم لا يُقاس بطول جلوسه… بل بما يتركه خلفه.

زر الذهاب إلى الأعلى