حائل – محافظة الحائط
عبدالله بشير
في قصةٍ إنسانية تجسد أسمى معاني الوفاء والرسالة التعليمية، نجحت المعلمة جهان التميمي، بمحافظة الحائط التابعة لمنطقة حائل، وتحديدا مدرسه ابو دويحات في إعادة الأمل للطالبة “حكيمة الرشيدي” (10 سنوات)، التي تحولت رحلتها من التعثر والصمت إلى النطق والتفوق، بفضل الله ثم بعزيمة معلمة آمنت بها.
بداية الحكاية: صمتٌ وسنوات من الرسوب
بدأت فصول القصة حين لفت انتباه المعلمة “جهان” وجود طالبة يكبر عمرها عمرَ زميلاتها في الصف الأول الابتدائي. وعند الاستفسار، تبيّن أنها راسبة لثلاث سنوات متتالية. كما اكتشفت أن “حكيمة” تعاني من فقداً في النطق وضعف في السمع، مما جعلها أسيرة “الصمت” وغير قادرة على تجاوز مهارات الصف الأول.
مبادرة إنسانية خارج حدود المنهج
لم تقف المعلمة جيهان موقف المتفرج، بل آمنت بقدرات “حكيمة”. بدأت أولاً بتعديل استراتيجيات التدريس، فاعتمدت على الكتابة والرسوم وسيلةً للتواصل والتقييم، لتصبح المعلمة هي “الملاذ الآمن” للطالبة.
وبإصرارٍ قلّ نظيره، كانت المعلمة تفترش رصيف المدرسة مع حكيمة بعد انتهاء الدوام الرسمي وحتى أذان المغرب، لتعليمها مهارات جميع المواد. ولم تكتفِ بذلك، بل بادرت بتعلّم “لغة الإشارة” وتعليمها للطالبة، لتتمكن من التواصل معها بصورة أعمق وأكثر فاعلية.
المفاجأة: الحنجرة الصامتة تنطق
مع الرعاية المكثفة والاحتواء الصادق، حدثت المفاجأة التي لم يتوقعها أحد؛ بدأت حكيمة بالنطق تدريجيًا، ليتضح أن صمتها لم يكن فقدانًا عضويًا كاملًا، بقدر ما كان نتيجة إهمال في التحفيز والمتابعة التعليمية.
ولم تتوقف المعلمة عند هذا الحد، بل أنشأت فصلًا دراسيًا خاصًا لحكيمة داخل منزلها في “الحائط” لضمان استمرارية تطورها، وتابعت حالتها طبيًا حتى تم تشخيص ضعف سمع شديد لديها، يمكن علاجه عبر سماعات طبية أو تدخل جراحي. وعلى الفور، بدأت رحلة المخاطبات الرسمية مع إدارة تعليم حائل لتأمين العلاج اللازم.
النجاح والعبور للمستقبل
تُوّجت هذه الجهود بتعاون مثمر مع “تعليم حائل”، حيث أُلحقت حكيمة ببرنامج “الإعاقة السمعية” لصعوبات التعلم. وبناءً على تفوقها الملحوظ واجتيازها اختبارات المهارات بتميز، تم ترحيلها رسميًا إلى الصف الثاني الابتدائي، مع تطلعات بترحيلها إلى الصف الثالث نظير ذكائها واستحقاقها.
هذه القصة تؤكد أن التعليم ليس مجرد منهج يُدرَّس، بل رسالة تُحيا. فلولا توفيق الله ثم إخلاص معلمة آمنت بقدرة طالبتها، لبقيت حكيمة أسيرة الصف الأول.
أمنية بسيطة
رغم هذا النجاح الباهر، لا تزال حكيمة تعيش ظروفًا أسرية صعبة، حيث تختصر أحلام الطفلة المبدعة في أمنيات بسيطة: “سرير دافئ” تنام عليه، و”هاتف جوال” يكون مكافأة لنجاحها الذي سطرته بدموعها وكفاح معلمتها.
الخاتمة: المعلم رسولًا
إن قصة المعلمة جيهان التميمي والطالبة حكيمة برهان ساطع على أن التعليم ليس مجرد “تلقين”، بل هو “إحياء”. لقد أثبتت جيهان أن المعلم المخلص هو من يبحث عن طالبه خلف القضبان الصامتة ويقوده نحو النور، ليعيد للأذهان قول الشاعر:
“كاد المعلم أن يكون رسولًا”.
