الدرعية… دارُ مُلكٍ وسِلم بقلم/ سمو العتيبي

ذهبتُ إلى الدرعية… إلى حيث بدأت الحكاية.

كان الصوت يأتي من عمقها؛ من حجارةٍ صمدت، ومن وادٍ حمل على ضفّتيه حلمًا صار دولة.

وأثناء تجوالي، استوقفتني مكتبةٌ صغيرة قديمة. دفعني الفضول للدخول، وبين رفوفها لفت نظري كتابٌ بدا وكأنه يشعّ نورًا. لم أتردد، أخذته. كان مجلدًا كبيرًا يحمل اسم التاريخ. ابتعته وخرجت.

في أحد الأزقة الهادئة بين بيوت الطين، جلستُ أتصفّح الكتاب. وما إن فتحته حتى سمعت أصواتًا خافتة تصدر من بيتٍ مهجور قريب. ناديت:
من هناك؟
فجاءني الرد:
“أنا الدرعية…. أنا العوجا التي تعلّم الرجال معنى النخوة، وتعلّم الأرض معنى الثبات.”

سألتها: ومن أي عام تتحدثين؟

قالت:
“من عام 1727… من اللحظة التي وقف فيها الإمام محمد بن سعود ليقول للعالم:
إن الوحدة ليست حلمًا، بل قرار.
وإن الأمن ليس أمنية، بل فعل.
وإن الدولة ليست جدرانًا… بل جذورٌ تضرب في عمق الأرض.”

قلت لها: وما رسالتك لأبناء اليوم؟

فأجابت:
“يا أبناء اليوم… لقد حملنا لكم جذورًا راسخة، فاحملوا أنتم الفروع العالية.
بدأنا المسير… وأنتم تكملونه.
فإن سألتم عن المجد… فهو هنا، في كل خطوة خطاها المؤسسون، وفي كل خطوة تخطونها أنتم.”

رفعت رأسي فإذا بالراية الخضراء ترفرف خفّاقة كما عهدناها. سألتها: وأنتِ… كيف وصلتِ إلى هنا؟

فقالت:
“أنا الراية التي رُفعت أول مرة في يد رجالٍ يعرفون أن المجد لا يُورَّث.
أنا اللون الذي لا يبهت، والكلمة التي لا تنحني.
يا تاريخ… هل تذكر أول مرة لامستُ فيها ريح الدرعية؟
هل تذكر كيف وقف الرجال حولي… لا يحمون قطعة قماش، بل يحمون رسالة؟”

وهنا تحركت صفحات الكتاب بين يدي، وردّ التاريخ بصوتٍ عميق، كأنه يخرج من قلب ثلاثة قرون:

“أذكرها… كانت الريح خفيفة، لكن العزم كان أثقل من الجبال.
أذكر رجالًا لم يبحثوا عن مكانٍ في الكتب… بل عن مكانٍ في المستقبل.
ومنذ ذلك اليوم… وأنا أكتب اسم السعودية بحبرٍ لا يجف.
أذكر صمود الدولة السعودية الأولى، وكيف نهضت من جديد، وكيف استعاد أبناؤها قوتها وجذورها وقيادتها.”

تجمعت الغيوم في السماء كأنها تسدل الستار، وبدأت أصوات السيارات والناس تعود للحياة. أمنٌ وأمان، عمرانٌ واحتفال، أطفالٌ يركضون بفرح، والناس يرتدون الزي الشعبي احتفاءً بيوم التأسيس.

اليوم… لا نقف لنحتفل بذكرى فقط، بل لنحتفل بأننا أبناء قصةٍ ما زالت تُكتب.

السعودية لم تكن يومًا صفحةً في التاريخ… بل كانت التاريخ نفسه.

في يوم التأسيس، نعتز بجذور دولتنا الراسخة، وبالارتباط الوثيق بين المواطنين وقادتهم، وبالوحدة التي أرساها الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن بن فيصل آل سعود، وبإنجازات أبنائه الملوك الذين رفعوا الراية وأكملوا مسيرة البناء والتنمية.

وفي هذا اليوم… نستعيد نخوة العوجا، ذلك النداء الذي يبث الحماس في القلوب، ويذكّرنا بأن الدرعية ليست مكانًا فقط… بل روحًا.

نستعيد أهازيج الرجال، ونستعيد قول موضي الدهلاوية:

سِرْ وَمَلْفَاكْ للعوجا مِسِيره

دِيرة الشيخ بلّغه السلاَم

ونستعيد الأمثال التي صنعت وعينا الجمعي:

• اللي ما له أول ما له تالي

• اليد الواحدة ما تصفق

• من لا يحمي أرضه، لا يحمي اسمه

يوم التأسيس ليس مجرد تاريخ… إنه هوية، وجذور، وقصة وطنٍ لا ينكسر.

إنه اليوم الذي نقول فيه للعالم:

هذه السعودية… دولةٌ قامت على العدل، وصمدت بالشجاعة، وتوحّدت بالإيمان، وتتقدم اليوم برؤيةٍ لا تعرف المستحيل.

وفي كل فبراير… نرفع الراية، ونسمع التاريخ، وتكتب الدرعية رسالة جديدة:
ما دام في هذه الأرض أبناءٌ كهؤلاء… فالمجدُ لنا… والمستقبلُ نرسمه بأيدينا.

زر الذهاب إلى الأعلى