سموم المقربين بقلم / سمو العتيبي

هناك غصّات مكتومة تفضحها العيون. نظرات تختبئ خلف ابتسامة، وتهنئة يرافقها ضيق مستتر، وتعليق عابر يفسد عليك لحظة فرح ظننت أنها محصّنة من أعين الناس. هذا هو الجانب المظلم للنفس البشرية، حين يتحوّل القرب إلى سُم، والقرابة إلى مرآة مشروخة تعري ما يخفونه لا ما تحمله أنت.

لطالما تساءلت: لماذا لا يُحسد المشاهير رغم أنهم يعرضون مظاهر النعمة أمام ملايين البشر؟ لماذا لا تصيبهم (العين) رغم التفاخر العلني؟
الجواب بسيط: المقربون لا يرون أنفسهم في المشاهير، لكنهم يرون أنفسهم فيك. يقيسون نجاحك على مقاسهم، ويعتقدون بلا وعي أنكم يجب أن تكونوا في مستوى واحد، وأن أي خطوة تتجاوزهم تُعدّ تهديدًا صامتًا لمكانتهم.

في قصة واقعية، ذهب رجل مع أسرته إلى الخبر. اتصلت به شقيقته، فأخبرها أنه ذاهب بزوجته إلى (معالجة شعبية) في الشرقية، بينما كانت زوجته في الحقيقة تمتطي حصانًا على شاطئ (الهاف مون).
بعد شهر، اتصلت الشقيقة بزوجة أخيها تسألها عن (المعالجة) التي زارتها. تفاجأت الزوجة، ونفت تمامًا ذهابها لأي معالجة. أنهت الأخت المكالمة، ثم أخبرت والدتها وأخواتها بأن زوجة أخيهم تكذب، وأنها أنانية وتخفي عنهم أمورًا كثيرة.

لم تكن الزوجة تخفي شيئًا. كان الزوج هو من اختلق القصة… بحجة أنه يخشى عليها من حسد أهله، مع أنها لم تكن سفرًا خارجيًا ولا رحلة فاخرة، بل زيارة داخلية بسيطة لا تستحق كل هذا التأويل.

هكذا سموم المقربين: سوء ظن، تأويلات جاهزة، وغيرة تتنكر في هيئة اهتمام. والقرب هنا ليس قرب الدم فقط؛ فثمة زملاء وجيران يضيقون بنجاحك أكثر مما يفعل بعض الأقارب.

وبعد فهم طبيعة هذه السموم، يبقى السؤال الأهم: كيف نحمي أنفسنا من هذه السموم؟

الحسد بين الأقارب لا يأتي صريحًا. يأتي في هيئة سؤال، أو تعليق، أو محاولة تقليل من شأن ما اشتريت أو حققت. يبارك لك، ثم يلتفت فورًا إلى عيب صغير ليطمئن قلبه بأنك لم تتجاوز كثيرًا.

الحماية ليست في الخوف، بل في الوعي:
١. لا تشارك نجاحك مع أشباهك.
ليس كل من يصفق لك يتمنى لك الخير. وعندما تضطر للمشاركة، شارك جزءًا من المتاعب التي خضتها. لعلهم يشعرون أنك متعب مثلهم، فيخفّ وهج الغيرة في صدورهم.

٢. راقب اللحظة الأولى.
تعبير الوجه في الثواني الأولى لا يكذب. الحقيقة تتسرّب قبل أن تتدخل المجاملات.

٣. لا تكن خبيثًا… لكن كن واعيًا.
الطيبة لا تعني السذاجة. والوعي لا يعني سوء الظن. كن متوازنًا، واقبل أن الغدر والحسد جزء من الطبيعة البشرية، لا استثناء.

٤. كن لغزًا.
الغموض ليس ضعفًا، بل حماية. حين تترك مساحة لا يعرفها الآخرون، تصنع حدودًا صحية تمنع التطفل وتقلل مساحة الحسد.

النفس البشرية ليست نقيّة ولا سوداء بالكامل؛ إنها دهاليز تتجاور فيها مساحات الضوء والظلام، والحب والغيرة، والفرح والضيق. والمقرّبون ليسوا دائمًا أعداء، لكن قربهم يجعل أثرهم أعمق، وسمومهم إن وُجدت أشد وقعًا على الروح.

ولأن الحسد داء قديم يسري في النفوس منذ خُلق الإنسان، فقد عالجه الإسلام بوضوح وحكمة. يقول ﷺ:
«لا تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا… وكونوا عباد الله إخوانًا».
والتخلّص من الحسد يبدأ من الداخل: بالرضا بقضاء الله، وكثرة الدعاء بـ «اللهم طهّر قلبي»، والنظر إلى من هو أقل نعمة، وتحويل مشاعر الضيق إلى دعاء بالبركة للمحسود. وقد قال ﷺ: «عَلامَ يَقتُلُ أَحدُكم أَخاه؟! أَلا بَرَّكتَ!»
ولمنع النفس من الوقوع في الحسد، لا بد من مجاهدتها، وغضّ البصر عمّا في أيدي الناس، وشكر الله على نعمه، والاشتغال بإصلاح الذات، والاستعاضة عن المقارنة بالدعاء للآخرين. وعند رؤية ما يعجبك من مال أو ولد أو متاع، قل:
«ما شاء الله لا قوة إلا بالله» أو «اللهم بارك».

الوعي هو درعك. والحدود هي خلاصك. والنجاح الحقيقي هو أن تعيش حياتك دون أن تسمح لسموم الآخرين أن تتسرب إلى روحك.

زر الذهاب إلى الأعلى