لم أكتب لغرض الكتابة فقط، بل أردت أن أزيح الستار برفق عن حقيقة مجتمعية، ليراها الناس كما هي خالصة من أي تحريف أو تجميل.
خلال السنوات الماضية، ومع اتساع دائرة تعاملي مع الناس، التقيتُ بأنماط متعددة من البشر؛ من مختلف الطبقات، ومن حملة الشهادات بمستوياتها كافة، ومن المثقفين، ومن ضيّقي الأفق، ومن الجاهلين. لاحظتُ أن البعض يستسهل ويستهين بتلويث سمعة الآخرين؛ فبمجرد حدوث خلاف يندفع أحد الأطراف للإساءة إلى خصمه في غيابه، سواء بما هو حق أو بما هو محض افتراء. وأحيانًا لا يوجد خلاف إنما بسبب الغيرة، وتصرف كهذا يعكس مستوى المسيء الحقيقي، ويبرهن على ضيق أفقه وضعف وازعه الديني، وهو لون من الجهل حتى لو كان يحمل درجة الأستاذية (Prof).
كنت أظن أن هذا السلوك يكثر بين النساء فقط، لكن تبيّن لي أنه موجود بين الرجال أيضًا؛ فحين ذُكر شخص غائب وأثنى عليه الجميع، بادر أحدهم بالقول: نعم، لكن لو أنه يتخلّى عن… ثم أتبعه بصفة مذمومة، لا بدافع النصيحة بل بدافع الغيرة وتشويه السمعة حتى يتوقف الناس عن مدحه. تطبيق لمقولة «إذا ما قدرت عليه شوّه سمعته».
في بلد عربي وفي إحدى المراحل الدراسية، كانت من تقوم بالتدريس تحمل درجة الدكتوراه. وبين الطالبات كانت هناك طالبة مميزة، لا يختلف اثنان على حضورها اللافت وجاذبيتها التي تشدّ الأنظار أينما وُجدت. وقد لاحظت الدكتورة ذلك منذ اليوم الأول، لكن بدلاً من أن تتعامل معه بنضج، بدأت تغار منها بشكل غريب؛ وكأن الطالبة تشكّل تهديدًا لها.
فالغيرة كما نعلم لا تعرف حدودًا، وتنهش صاحبها قبل أن تمسّ غيره.
ومع مرور الأيام، ازداد اهتمام الجميع بالتقرّب من تلك الطالبة المميزة، الأمر الذي كان يزعج الدكتورة ويثير ضيقها. حتى أنها أقدمت على تصرّف لم يتوقعه أحد ممن يعرف مكانتها العلمية؛ تصرف لا يليق بها ولا بمن يُفترض أن تكون قدوة في الاتزان.
كانت قاعة المحاضرات صغيرة، لا يتجاوز عدد الطالبات فيها العشر. اعتادت الدكتورة أن تضع هاتفها على وضع تسجيل الصوت، ثم تغادر القاعة متذرعة بأن أحدًا طلبها. وما إن تخرج حتى تشعر الطالبات بالراحة ويتحدثن بحرية، أحيانًا عن أسلوبها في التدريس أو عن القصص الجانبية التي ترويها.
ومع تكرار هذا الفعل يوميًا، أصبحت الدكتورة على علم بكل ما يُقال في غيابها.
وفي أحد الأيام، غابت الطالبة المميزة، فبدأت زميلاتها يذكرنها بخير. وهنا انتهزت الدكتورة الفرصة وقالت لهن:
«لا تنخدعن بتمثيلها… فهي تتظاهر بالطيبة. كانت تكلمني كل يوم وتذمّكن، وتقول إنكن قلتم عني كذا وكذا». ثم بدأت تذكر ما سمعته من تسجيلاتها، لكنها نسبته للطالبة الغائبة مدعية أنها هي من أخبرتها!
وأضافت بثقة مصطنعة:
«أنا عرفت حقيقتها من أول يوم، لكن لم أرغب في أن أحذّركن منها… حتى أجعلكم تكتشفن ذلك بنفسكن». وختمت بقولها: «لا تخافون، أنا أعرف أنها كاذبة وتغار منكن… لكن لا تقولون لها إنكم عرفتم حقيقتها، فقط احذروا منها».
يمكنكم تخيّل ما حدث بعد ذلك. انقلبت نظرة الطالبات للطالبة المميزة رأسًا على عقب. لم يعد أحد يطيق قربها، وانتشرت الاتهامات في القاعات الأخرى بأنها نمّامة ومنافقة. أصبحت أفضل طالبة في الدفعة منبوذة بلا ذنب، وتغيّرت معاملة الجميع لها؛ نظرات، همسات، وتجنّب في كل مكان.
لم يمض وقت طويل حتى شعرت بالاختناق، فسحبت ملفها وقدّمت اعتذارها عن إكمال الدراسة… ورحلت بصمت.
وتتوالى الحكايات، فقد كان هناك شاب متعدد المواهب، لكن حظه العاثر حال دون أن يبرز أيًّا من قدراته. وإن أردتم معرفة السبب، فستجدونه في خصلة ذميمة حملها معه؛ إذ كان نمّامًا وكذّابًا، يسعى بين الناس بالنميمة ويضيف إليها أكاذيب مفزعة ليشعل نار الفتنة بين الجماعات، ولا يتردد لحظة في الإساءة إلى سمعة الآخرين، ويجد لذة ومتعة في ذلك.
ومع مرور الوقت، أصبح المجتمع الذي يعيش فيه منقسمًا إلى أحزاب متناحرة، يكره بعضهم بعضًا، وكل ذلك نتيجة السموم التي يبثّها بينهم.
ولم يستثمر جهده في تطوير نفسه أو تطهيرها من الحقد والنميمة والكذب، فظلّ يدور في دائرة الهدم.
وما أكثر الشواهد حين يتعلق الأمر بتشويه السمعة.
كنت أظن أن كبار السن رجالًا ونساءً أكثر حكمة ورزانة وهيبة، لكن الواقع أثبت أن هذا لا ينطبق على الجميع؛ فبينهم من لا يتورع عن الإساءة لغيره والخوض في سمعته بلا أدنى تردد.
وتعود إلى ذهني مقولة بليغة:
“أن تكبر في العمر أمرٌ إجباري… أما أن تكبر في العقل فهو خيارٌ شخصي.”
إحدى المعارف، ما إن نجتمع بها حتى تبدأ بسرد مشكلات العمل التي تواجهها يوميًا. وخلال حديثها، كثيرًا ما تقول: «زميلتي محجبة لكنها محترمة». كانت تكرر كلمة محترمة كلما ذكرت امرأة محجبة، لأنها في الحقيقة لا تتردد في الطعن بالمحجبات وإساءة الظن بهن، فقط لأنها هي نفسها منقبة!
المرأة كثيرًا ما تكون أكثر عرضة لتشويه السمعة من الرجل؛ فصورتها الاجتماعية سريعة الانكسار، ويسهل على الناس تصديق ما يُشاع عنها من أفواه الحاسدين والحاقدين، خاصة إذا كانت جميلة، فهنا يكثر أعداؤها من النساء لا لذنب ارتكبته، بل بسبب الغيرة.
وليس الجمال وحده سببًا لاستهداف المرأة؛ فهناك من لا تُعد جميلة بالمعايير المتداولة، لكنها مثقفة، واثقة، وحضورها يفرض نفسه أينما كانت، فيثير ذلك غيرة البعض من الرجال والنساء على حد سواء، فتتجه نحوها سهام التشويه بلا مبرر.
حين يتعرض الإنسان للأذى وتشويه السمعة، يلجأ غالبًا إلى العزلة ليستعيد توازنه ويعيد ترتيب أوراقه، معتقدًا أن ابتعاده سيقيه شرّ المسيئين. لكن غيابه المتكرر يجعلهم يتعاملون معه كما لو أنه تخلف عن تبوك، بل أسوأ من ذلك؛ إذ يبدأون في نسج القصص المختلقة عنه، يؤلفونها ويحبكون تفاصيلها، ثم ينهشون سمعته ويقرمشون لحمه بنشوة حقد مروعة. والمؤسف أن بعضهم يطلق الكذبة، ومع كثرة ترديدها، يصدقها هو نفسه!
عن ابن عباس قال: (لو بغى جبل على جبل لدك الله الباغي منهما).
خلاصة القول:
تشويه السمعة جريمة يعاقب عليها القانون، ويجب التعامل مع هؤلاء بحزم، لأنهم يعبثون بالروابط والعلاقات الاجتماعية، ويتلذذون بذلك بدافع الغيرة و الحسد أو سوء التربية. وهم يستهينون بهذا الفعل، وما زاد الوضع تعقيدًا هو أن بعض الناس يُصغون إلى هذا المشوِّه، فيمنحونه مساحة أكبر، فيتمادى في فعله المنفّر ويستمر في النيل من الآخرين.
وقد تفشّى تشويه السمعة في الآونة الأخيرة بشكل مبالغ فيه، حتى أصبح ظاهرة تستدعي الوقوف عندها والإنكار عليها. ليس من الإنسانية أن يطعن المرء في سمعة غيره. ولا ينبغي للعاقل أن يردّ الشر بمثله، بل عليه أن يحصّن نفسه، ويفوّض أمره إلى الله، حتى لا يجد إليه خصمه طريقًا. وقد قال عمر بن عبدالعزيز قولته الشهيرة: «كونوا دعاة إلى الله وأنتم صامتون»، فقيل: وكيف ذلك؟ قال: «بأخلاقكم».
ومن وجهة نظري، أتفق مع من يرى أن كلمة «سمعة» أصبحت رخيصة حين تُبنى الأحكام على ما يُقال لا على ما يُرى ويُعايَن. قبل أن تُصدّق، انظر إلى نوع الكلام، وإلى من يقوله، وما هي مصلحته وأجندته. فالمرء مسؤول عن أخلاقه أولًا، أما السمعة فليست دائمًا انعكاسًا صادقًا لصاحبها مهما حرص عليها.
وغالبًا ما تكون السمعة ضحية ثلاثة: أحمقٌ يُقيّم من بعيد دون أن يعرف الظروف، وتافهٌ ينقل، وساذجٌ يصدّق كل ما يسمع.
ولو أردت أن أسرد لكم ما مرّ عليّ من قصص واقعية في تشويه السمعة، بعضها شهدته بنفسي بين الأقارب وزملاء المهنة وغيرهم ممن جمعتنا بهم ظروف الحياة، لما وسعها مجلد كامل؛ فما في الجوف أكبر من الجوف. ولا أملك إلا أن أدعو بدعاء سيدنا إبراهيم عليه السلام: (وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ).
