الرياض – بتول الفهاد
في أمسية ثقافية اتسمت بالثراء المعرفي وعمق الطرح، استضافت مبادرة الشريك الأدبي في مقهى السبعينات لقاءً حواريًا بعنوان “اللقاء مع ندى يوبان”، جمع نخبة من المهتمين بالحوار الحضاري والثقافي، في مساحة فكرية سعت إلى استكشاف ملامح الثقافة الصينية، ومقاربتها بالثقافة السعودية، عبر حوار تجاوز الصور النمطية إلى فهم أعمق للإنسان والمجتمع.
وافتُتح اللقاء بكلمة ترحيبية أكدت أن مثل هذه الفعاليات تمثل جسورًا معرفية تعزز التقارب بين الشعوب، وتمنح الحضور فرصة الإصغاء إلى تجارب حية تنقل الثقافة من إطار المعلومات إلى فضاء المعايشة الإنسانية.
وتناولت المتحدثة ندى يوبان، خلال اللقاء، محاور متعددة رسمت بانوراما واسعة للمجتمع الصيني، بدءًا من اللغة الصينية بوصفها واحدة من أكثر اللغات فرادة، وخصائصها الصوتية، وتجربة تعلمها، مرورًا بمكانة الأم في الثقافة الصينية، ونظرة المجتمع لقيمة العمل، التي ترتبط – كما أشارت – بجذور حضارية عميقة تجعل من الانضباط والإنتاج جزءًا من الهوية اليومية.
كما توقف الحوار عند التنوع الجغرافي والثقافي في الصين، وانعكاسه على أنماط المعيشة والمطابخ الإقليمية، وتعدد اللهجات، والتوازن بين الخصوصية المحلية والهوية الوطنية الجامعة، إضافة إلى العادات الاجتماعية التي تعكس احترام الموارد وتجنب الهدر، خصوصًا في ثقافة الطعام.
وتوسع اللقاء في مناقشة قضايا أكثر عمقًا، من بينها أثر سياسة الطفل الواحد على البنية الاجتماعية، واختلال التوازن الديموغرافي بين الذكور والإناث، وما نتج عن ذلك من تحولات اجتماعية، إلى جانب قراءة في فلسفة التواصل في المجتمع الصيني، من خلال التعبير المتداول “在微信说不好” الذي يفضّل النقاش المباشر وجهًا لوجه للتفاوض حول العمل أو التجارة، بما يعكس مركزية الثقة والعلاقة الشخصية في الثقافة الصينية.
وتطرق الحوار كذلك إلى حضور التقنية في الحياة اليومية الصينية، وقيمة الوقت والانضباط، ويوميات الإنسان الصيني، وصورة العمل الشاق التي ترتبط بالمجتمع هناك، إضافة إلى مناقشة الاقتصاد المعيشي ومستويات الرواتب، والديانات، والحياة الأسرية، وملامح القانون، وأبرز الفروق وأوجه التشابه بين المجتمعين السعودي والصيني.
وشهد اللقاء مداخلات نوعية أثرت النقاش، حيث قدّم مراسل وكالة الأنباء الصينية فهد عريشي قراءة إعلامية حول التحولات الثقافية في الصين، مشيرًا إلى أن فهم الصين لا يتحقق عبر اقتصادها فقط، بل من خلال قراءة منظومتها القيمية والاجتماعية. فيما استعرض الباحث المتخصص في الشأن الصيني الدكتور هيثم تجربته الممتدة لسنوات في الصين، مسلطًا الضوء على روح الانضباط، واحترام الوقت، ومركزية التعليم في بناء النهضة الصينية.
كما قدّم مدرس اللغة الصينية محمد المالكي مداخلة ثرية تناول فيها تجربته مع اللغة والثقافة الصينية، مؤكدًا أن اللغة ليست مجرد أداة تواصل، بل مدخل لفهم العقل الحضاري الصيني، وأن تزايد الاهتمام باللغة العربية في الجامعات الصينية يعكس عمقًا متناميًا في العلاقات الثقافية بين البلدين.
واختُتم اللقاء بالحديث عن أبرز الوجهات التاريخية والسياحية في الصين، وما تحمله من امتداد حضاري ضارب في التاريخ، إلى جانب استعراض تجربة المتحدثة مع المجتمع السعودي، وما لمسته من قيم الكرم والترابط والعمق الإنساني.
وجسّد اللقاء، في مجمله، نموذجًا حيًا للحوار الثقافي الذي لا يكتفي بعرض الفوارق، بل يبحث عن المشتركات الإنسانية، ويؤكد أن المعرفة بالآخر ليست ترفًا ثقافيًا، بل ضرورة لبناء عالم أكثر فهمًا وتقاربًا.




