ثمة أشياء لا نستطيع تسميتها، ولا نعرف كيف نشرحها، لكنها تسكننا كأنها ركامٌ تراكم في زوايا الروح، حتى ضاقت بنا المساحات، واختنقت الكلمات قبل أن تجد طريقها إلى النطق.
نبدو بخير، نمارس تفاصيل الحياة، نبتسم حين تقتضي المجاملة، ونتحدث حين يستدعي الموقف حديثًا، لكن في أعماقنا شيئًا ما يبحث عن شيء لا نعرفه تمامًا.
ربما هو الحنين!
ليس الحنين إلى زمن مضى فحسب، بل إلى شعورٍ كان يجعل الحياة أقل تعقيدًا، وإلى وجوهٍ كانت تكفي رؤيتها لنشعر بالأمان، وإلى أصواتٍ كانت تطمئننا دون أن تسألنا عمّا يؤلمنا.
نشتاق إلى الأحاديث التي لا تحسب كلماتها، وإلى الضحكات التي لا تخشى ارتفاع أصواتها، وإلى عناقٍ لا يحتاج إلى مناسبة، وإلى قلوبٍ لا تضع مسافة بين المحبة والبوح.
نشتاق إلى أمهاتٍ كان في دعائهن متسعٌ لكل مخاوفنا، وإلى آباءٍ كان حضورهم يشبه جدارًا نستند إليه حين تميل بنا الحياة، وإلى أطفالٍ يملؤون المكان صخبًا، ثم يتركون في آخر النهار هدوءًا يشبه دفء البيوت.
متى أصبحنا نتحاشى العفوية؟
ومتى صارت العلاقات تحتاج إلى كل هذا الحذر؟
كيف تحولت المسافات من طرقٍ نقطعها للقاء إلى حواجز لا نعرف كيف نعبرها؟
أصبحنا نملك وسائل كثيرة للتواصل، لكننا نفتقد القدرة على الوصول إلى بعضنا. نرى الوجوه ولا نقرأ ما خلف العيون، نسمع الكلمات ولا نصغي إلى ما تخفيه القلوب.
حتى الزمن، ذلك الذي كنا نظن أننا نسابقه، اكتشفنا متأخرين أنه يمضي بنا إلى محطات لم نخترها، ويأخذ معه تفاصيل صغيرة لم ندرك قيمتها إلا بعد غيابها.
كم من علاقة انتهت دون وداع!
وكم من عتابٍ تحول إلى صمت!
وكم من قلبٍ آثر الانسحاب لأنه تعب من شرح وجعه!
ومع ذلك، ما زلنا نبحث عن نافذة يمر منها الضوء، عن كلمة تعيد ترتيب الفوضى، عن يدٍ تمتد دون سؤال، وعن لحظة صدقٍ لا تشوبها المصالح ولا تربكها الحسابات.
نريد أن نعود إلى بساطة الأشياء؛ أن نرى السماء فنبتسم، وأن نصغي إلى المطر دون أن تشغلنا هواتفنا، وأن نتأمل الأشجار وهي تتعانق بأغصانها دون خوف من اختلاف اتجاه الريح.
نريد أن نكون كما خُلقنا؛ أرواحًا تتآلف، وقلوبًا ترقّ، وأيديًا تمتد بالخير، وألسنةً لا تتعب من ذكر الله وحمده.
فهل كان النضج أن نتعلم الصمت، أم أن الحكمة أن نعرف متى نتكلم؟
وهل القوة أن نتجاوز كل شيء، أم أن نعترف أحيانًا بأننا تعبنا؟
وهل كبرنا حقًا، أم أننا فقط فقدنا شيئًا من براءتنا في الطريق؟
ربما لا نحتاج إلى إجابات كثيرة، بقدر حاجتنا إلى أن نستعيد إنسانيتنا في تفاصيلنا الصغيرة.
أن نحب دون خوف، ونختلف دون خصومة، ونعاتب دون أن نهدم، ونغفر دون أن نتنازل عن كرامتنا.
أن نمنح الحياة فرصة أخرى، وأن نترك في ذاكرة الأيام أثرًا يشبه الرحمة.
ففي نهاية المطاف، لسنا بحاجة إلى عالمٍ جديد بقدر حاجتنا إلى قلوبٍ لا تزال تعرف كيف تحب، وأرواحٍ لم تستهلكها الخيبات، وحنينٍ يعيدنا إلى أنفسنا كلما تاهت بنا الطرق.
لعل أجمل ما يمكن أن ننجو به من فوضى الحياة، أن نجد إنسانًا نشعر معه أننا لا نحتاج إلى الهروب، وأن نصل إلى مساءٍ نضع فيه أثقال أرواحنا، ونحمد الله لأن في القلب، رغم كل الركام، متسعًا للحياة..
