تعد السياسة من المواضيع التي أتجنب الحديث عنها، فقد كنت أكتفي بقراءة مقالاتٍ لكتاب الرأي؛ دون أنْ أبدي أي قبولٍ أو معارضة، ليس لأنني لا أجيد التحليل والنقد في هذه الأمور؛ بل لأنني اعتبرها كلوحةٍ غامضة؛ كل من يراها يقرأها بطريقته؛ بينما القراءة الصحيحة تبقى عند الرسام وحده.
وفي ظل الظروف الراهنة التي نعيشها في المملكة العربية السعودية، لزمت الصمت واكتفيت بأضعف الإيمان “الدعاء”؛ إلى أنْ هزّ شعوري وأخرجني عن صمتي مقطعٌ مرئيٌّ؛ على أحد مواقع التواصل الاجتماعي؛ لمواطنٍ يمنيٍّ مؤيدٍ للحوثيين. كان حديثه يدور حول الجهاد في سبيل الله، وما يقوم به هذا التنظيم المسلح هو حقه الشرعي؛ وكان يؤكد أنهم على العقيدة الصحيحة دون أدنى شك. ولم يبدِ أي ندمٍ عما يفعله، بل على العكس كان يتفاخر بأنه يحارب أبناء بلده باسم الدين؛ بهدف نيل الشهادة والفوز بالجنة.
حينها تساءلت: عن أي دينٍ يتحدث؟ هل يقصد الإسلام الذي درسناه في القرآن والسنة النبوية؟ وهل الجهاد في سبيل الله يكون بسفك دماء الأبرياء وتزوير الحقائق؟ وبعدها قررت أنْ أكتب هذا المقال، ليس لأُدين ما يحدث؛ بل لأعبر عما هو أعمق. فقد كنت أظن أنّ المسألة سياسيةٌ بحتة، لكني اكتشفت لاحقًا أنّ هذه الحرب تستهدف العقول قبل الأرض؛ فالدمار الذي تخلّفه لا يقف عند حدود الخسائر المادية أو انهيار البنى التحتية، بل يتجاوز ذلك إلى طمس الهوية وغسل الأدمغة تحت مسمى العقيدة والدين.
جماعة الحوثيين، المعروفون رسميًّا باسم “أنصار الله”، ليست حديثة العهد؛ فهي حركةٌ دينيةٌ ظهرت في شمال اليمن بمحافظة صعدة تحديدًا؛ خلال تسعينيات القرن الماضي. ثم تحولت إلى تنظيمٍ مسلحٍ قتالي، نتيجة الصدام المتكرر مع الحكومة اليمنية في أواخر التسعينيات ومطلع الألفية. وفي عام 2004، اندلعت المواجهات المسلحة الأولى بين الجيش اليمني وجماعة الحوثي؛ المعروفة بحروب صعدة، قُتل خلالها مؤسس الحركة حسين الحوثي، ليخلفه والده بدر الدين الحوثي؛ ثم شقيقه الأصغر عبد الملك الحوثي، وهو الزعيم الحالي للجماعة.
ضمن موجة الربيع العربي؛ بعد عام 2011 توثق التحالف العقائدي والسياسي بين جماعة الحوثي وإيران، وأصبحوا جزءًا أساسيًّا مما يُعرف إقليميًّا بـمحور المقاومة الذي تقوده إيران؛ ويضم فصائل في لبنان والعراق.
برز دور الحوثيين على الساحة الدولية بشكلٍ أكبر مع اندلاع الحرب في غزة في أكتوبر 2023؛ إذ أعلنوا شن هجماتٍ بالصواريخ والمسيرات ضد السفن التجارية المرتبطة بإسرائيل، أو المتجهة إليها في البحر الأحمر، وبحر العرب، وخليج عدن، رافعين شعار دعم قطاع غزة، مما دفع تحالفاتٍ غربية (مثل الولايات المتحدة وبريطانيا) لشن ضرباتٍ جويةً على مواقعهم داخل اليمن، وإعادة إدراجهم في قوائم الإرهاب الأمريكية.
طورت الجماعة ترسانتها العسكرية بشكلٍ ملحوظٍ لتشمل صواريخ بالستية، وطائرات مسيرة (درونز)؛ قادرةٍ على ضرب أهدافٍ استراتيجيةٍ بعيدة المدى.
هذه المعلومات، هي القراءة التي يرددها النقاد السياسيون ووسائل الإعلام حول العالم، لكنّ الرسام الحقيقي حتى الآن لم يفصح عن قراءته الصحيحة؛ فالأطراف متداخلةٌ بين من يرغب في الأرض، ومن يرغب في الموارد الاقتصادية ومن يرغب في السيطرة على الشرق الأوسط بمعتقداته.
إنّ أخطر ما يمارس في هذه الصراعات ليس تدمير البنى التحتية أو السيطرة على الجغرافيا، بل هو العبث بالمادة الخام للإنسانية: “العقول”. وحين تُستغل عبر التعبئة المنهجية، وتحت غطاء شعاراتٍ مقدسةٍ كالجهاد والدفاع عن الدين، فإننا لا نكون أمام تدريبٍ عسكريٍّ عادي، بل أمام عملية “مسح الوعي”؛ وتجريد البشر من غريزة البقاء والخوف الطبيعي من الموت، وتحويلهم إلى أدواتٍ صماء تنفذ دون تفكير.
حين تُستبدل المدارس والفضاءات التعليمية بمخيمات تعبئةٍ طائفية، تُغرس فيها ثقافة الكراهية، وتُسمم العقول بصيغٍ وهميةٍ للبطولة، يتجرد الطفل تمامًا من حقّه في اللعب، والتعلم، وحلم الطفولة البريء؛ ويتحول إلى مقاتلٍ مع أبيه الذي يراه قدوةً له. والكارثة الكبرى، حينما يكبر وبداخله هدفٌ أسمى وهو محاربة المملكة العربية السعودية؛ بلاد الحرمين، وقبلة المسلمين، ومهبط الوحي على الرسول محمد “صلى الله عليه وسلم”. لم تعد الحرب فقط على ما هو ملموس؛ بل تحولت إلى هدم المعتقدات الصحيحة واستبدالها بما يخدم الأطراف المعادية للإسلام وتنفيذ مخططاتهم؛ بأداةٍ ولدت وتربت على الإسلام.
لذلك، وجب التفكير مليًّا فيما يحاك في الخفاء ضد المملكة العربية السعودية؛ باعتبارها الدعامة الأساسية الإسلام والمسلمين؛ في ظل الصراعات والمحاولات المستمرة من أطرافٍ إقليميةٍ لزعزعة الأمن؛ واستغلال الشعارات الدينية بهدف تصدير الفوضى وترويع البشرية؛ كما هو الحال في الملف اليمني وتداعياته. يجب تغيير القراءة النمطية للظروف السياسية بكل معطياتها، لنفكك رموز اللوحة الغامضة؛ نحن كنا وسنبقى خير أمةٍ أخرجت للناس إلى أنْ يرث الله الأرض ومن عليها.
