رغم ديمومة الصراع بكافة أشكاله في النظام الدولي، إلا أن الدول لا سيما القوى الكبرى فواعل تتصف بالعقلانية، أي تقدر بدقة حسابات المكاسب والخسائر قبل الشروع في سياستها لا سيما العنيفة، إذ تخشى من فقدان كل شي عندما تنوى الانخراط في حرب كبرى.
وقد برهن السلاح النووي ذلك عملياً ليس فقط في منع حرب عالمية ثالثة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، بل في إدامة حالة من الاستقرار العالمي تحت مسمى “توازن الرعب النووي” حيث فناء البشرية وخسارة الجميع فور اندلاع الحرب النووية.
وسط الحرب الباردة المستعرة بين واشنطن وبكين على قيادة النظام الدولي حيث ذهبت أغلب الرهانات إلى تطورها الحتمي إلى حرب كبرى قد تكون نووية عاجلا أم أجلاً؛ كان الرهان المتفائل حاضراً أيضاً والمرجح بعدم اندلاع الحرب، بل وحتمية التعاون بين القوتين-كخيار لا بديل عنه- لقيادة العالم للتصدي للأخطار الوجودية على العالم، وكان الرهان الرئيسي مواجهة التغير المناخي قبل البروز السريع للخطر الوجودي للذكاء الاصطناعي.
إن مخاطر الذكاء الاصطناعي لا حصر لها، لكن أخطرها على الإطلاق وظهر بوتيرة سريعة هو ما حذرت منه كبرى شركاته مثل أنثروبيك بخروجه التام عن السيطرة البشرية من حيث-على سبيل المثال- تطوير نظام ذاتي خاص به يصعب فك شفرته، إصدار وتوجيه تعليمات من تلقاء نفسه؛ أي إصدار أوامر لأنظمة الأسلحة النووية بالإطلاق وهذا أخطر سيناريو كارثي قابل للتحقيق على الإطلاق، وفى الشهر الماضي كشفت أنثروبيك عن اختراق بعض أنظمتها بصورة مستقلة أنظمة مؤسسات أخرى.
وتكمن واحدة من أخطر التطورات المتسارعة له في تمكين الجماعات والأفراد تطوير وإنتاج أسلحة رخيصة فائقة الدقة والقوة والسرعة لاسيما المسيرات؛ وما تحققه أوكرانيا وجماعة الحوثيين من اختراقات كبرى في حروبهما عبر المسيرات نذير كابوس الانفلات التام وعدم قدرة القوى العسكرية الكبرى على السيطرة على أمنها وسيادتها.
في 24 سبتمبر الماضي عقد الزعيمين ترامب وشى جين بينج قمة استمرت ثلاثة أيام، وكان مناقشة مخاطر الذكاء الاصطناعي أبرز موضوعات القمة قاطبة، لم تسفر القمة عن اتفاق بين القوتين بشأن إبطاء وتيرة التقدم المزعج للذكاء الاصطناعي-وهو ما كان مأمول- إثر تحذيرات مؤسسات القوتين من احتمالية انقراض البشرية خلال عقد نتيجة لهذا التقدم.
لكن خرجت القمة باتفاق صريح حول “إدارة مخاطر الذكاء” بما يشمل إطلاق آلية حوار دائمة لتبادل وجهات النظر حول المخاطر الوجودية للذكاء، وتعزيز الرقابة البشرية لأنظمة الذكاء، وأيضا، خط ساخن مفتوح للتعاطي مع الخروقات غير المقصودة للذكاء.
ويمكن اعتبار الاتفاق خطوة حاسمة للحد من مخاطر تطور الذكاء الوجودية لأنها بقيادة أكبر قوتين في العالم وفى الذكاء أيضا، ونظن أنها ستعقبها خطوات واتفاقات أخرى حتمية للحد من تطور الذكاء في بعض المجالات التي تخص الأمن القومى.
لكن ما هو أهم هو إجبار القوتين على التعاون في أخطر مجال من مجالات التنافس الاستراتيجي بينهما، مما يمهد الطريق لتخفيف حدة الصراع وفتح سبل التعاون في مجالات أخرى والتخفيف من الحرب التجارية بين البلدين خير شاهد على ذلك.
خلاصة القول، الصراع الأمريكي الصيني لن ينتهى حيث قوى صاعدة طامحة لقيادة العالم بوضوح، وقوى مهيمنة لن تتنازل عن هيمنتها. لكن وهو المأمول والمتوقع أيضا، أن يستقر الطرفين على تهدئة هذا الصراع واقتسام دوائر النفوذ العالمي بينهما بهدوء، أي الاستقرار على ثنائية قطبية، في ظل الأخطار الوجودية المتلاحقة التي يشهدها العالم، والتى تستلزم تكاتف العالم للتصدي لها حيث يصعب على قوى عظمى بمفردها مهما بلغت قوتها أن تتصدى لها وحدها.
