د . أشواق الحربي
احتفالية تاريخية جمعت أعرق الفرق الوطنية في أمسية استثنائية ربطت إرث التأسيس بطموحات رؤية عُمان 2040.
في ظل القيادة الحكيمة لمولانا حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم -حفظه الله ورعاه-، أحيت دار الأوبرا السلطانية مسقط الذكرى السنوية الخامسة عشرة لتأسيسها، عبر حفل موسيقي متألق أُقيم مساء الاثنين (12 أكتوبر 2026) بحضور أعضاء مجلس الإدارة واللجنة العليا، ونخبة من كبار الشخصيات والضيوف المرموقين. جاء هذا الحفل احتفاءً بمسيرة استثنائية انطلقت برؤية تأسيسية عميقة للمغفور له بإذن الله تعالى جلالة السلطان قابوس بن سعيد -طيب الله ثراه-، والذي أراد لهذه الدار أن تكون ملتقى للثقافات وجسراً للتواصل والتفاهم.
لقد فُتحت أبواب دار الأوبرا السلطانية مسقط للعالم قبل خمسة عشر عاماً، واليوم تقف كواقع ملموس وتجسيد حقيقي للدبلوماسية الثقافية. حيث تواصل عُمان عبر هذه الدار بناء الجسور. وعلى مدار عقد ونصف، رسّخت الدار مكانتها كمنارة ثقافية رائدة في العالم العربي، متحولة من منصة لاستضافة الفنون إلى شريك فاعل في إنتاجها على الساحة الدولية.
استُهلت الأمسية الاستثنائية برسالة مصورة ألقاها صاحب السمو السيد الدكتور كامل بن فهد آل سعيد نيابة عن مجلس الإدارة، تلاها عرض لفيلم وثائقي قصير احتفى بمسيرة الدار. وفي انتقال مسرحي سلس ومبهر عكس الرؤية الفنية للحفل، انتقل المشهد من الشاشة إلى خشبة المسرح، لتنبض الموسيقى حيةً في تناغم مستمر.
جمع الحفل في لحظة تاريخية نادرة وذات دلالة رمزية عميقة، أعرق الفرق الوطنية على مسرح واحد: الأوركسترا السيمفونية السلطانية العُمانية بقيادة المايسترو العُماني حمدان الشعيلي، بمشاركة أوركسترا مسقط الفيلهارمونية، والفرقة السلطانية الأولى للموسيقى والفنون الشعبية، وفريق الإنشاد الأوبرالي العُماني، وإطلالة استثنائية لكورال أطفال دار الأوبرا السلطانية مسقط.
أبرز البرنامج الموسيقي المتنوع قدرة دار الأوبرا السلطانية مسقط الفريدة على المزج بين الإبداع المحلي والروائع العالمية. وشهد الحفل العرض الأول لمقطوعة “رويال سوينغ” (Royal Swing)، وهي مؤلف موسيقي جديد للماستر حمدان الشعيلي كتحية لدار الأوبرا السلطانية مسقط. كما تضمن البرنامج عزفاً نابضاً بالحياة لـ “السيمفونية المصرية” لموتسارت، وتوزيعين موسيقيين خاصين لحمدان الشعيلي مستوحيين من مقطوعة “توكاتا في ري الصغير” لباخ ومقطوعة “إنترستيلر” لهانس زيمر، إلى جانب موسيقى “الداعية” لعمر خيرت. ومما أثرى العرض طوال الأمسية الأصوات المبهجة لكورال أطفال دار الأوبرا السلطانية مسقط، الذين أثبتوا تنوعاً فنياً لافتاً من خلال أدائهم لمقطوعات كورالية عالمية محببة.
إن المعيار الحقيقي لهذا الإرث لا يكمن فقط في إنجازات الماضي، بل في العهد الذي تقطعه الدار للمستقبل. فبمشاركة شباب وأطفال عُمان جنباً إلى جنب مع كبار الموسيقيين، تؤكد الدار التزامها الراسخ بالاستثمار في المواهب الوطنية وتمكين قادة الغد الثقافيين، وهو توجه ينسجم تماماً مع التطلعات الرامية إلى الاستثمار في الثقافة والفنون وفق “رؤية عُمان 2040”.
وفي كلمته التي عكست طموحات الدار، قال صاحب السمو السيد الدكتور كامل بن فهد آل سعيد: “في السنوات القادمة، سنسعى إلى الحفاظ على المستوى الفني الذي وصلت إليه الدار، ومواصلة شراكاتنا مع العالم، وأن تبقى دار الأوبرا مساحةً للإبداع، وللقاء الثقافات، ولحضور عُمان على الساحة الفنية الدولية… فالخمسة عشر عاماً الماضية كانت بدايةً لمسيرة نفخر بها… وما هو قادم، سنصنعه معاً، إن شاء الله.”
ومع دخولها حقبة جديدة، تؤكد دار الأوبرا السلطانية مسقط أن مسيرتها لم تكن سوى البداية، مستمرة في استلهام رؤيتها الأولى لربط الثقافات، وإلهام الأجيال، وبناء إرث إبداعي يمتد أثره إلى ما وراء خشبة المسرح





