كبار السن ذاكرة وطن وحقوق لا تشيخ من الوفاء لجيل البناء إلى الحماية القانونية للكرامة والحقوق

 

جابر الكعبي / الدمام

رئيس مجلس إدارة جمعية ميزان القانونية المحامي عبدالله البلوشي حين نتحدث عن كبار السن، فإننا لا نتحدث عن مرحلة عمرية فحسب، بل نتحدث عن تاريخ مجتمع، وذاكرة وطن، وجيل حمل مسؤولية البناء يوم كانت الإمكانات محدودة، والطرق شاقة، والحياة أكثر قسوة مما نعرفه اليوم.
إنهم الآباء والأمهات الذين أفنوا زهرة أعمارهم في تربية الأجيال، والمعلمون الذين غرسوا العلم، والعاملون الذين شيدوا المؤسسات، والرجال والنساء الذين حافظوا على هوية المجتمع، ونقلوا إلى أبنائهم وأحفادهم عاداته الأصيلة وقيمه النبيلة، من الوفاء والتكافل والصدق واحترام الكبير وصلة الرحم.
وما نعيشه اليوم من استقرار ونماء لم ينشأ من فراغ؛ فقد سبقتنا أيدٍ عملت، وظهور تحملت، وقلوب ضحت، حتى تسلم الجيل الجديد وطنًا أكثر ازدهارًا وحياة أكثر يسرًا.
ومن المؤسف أن تختزل بعض المجتمعات قيمة الإنسان في قدرته على العمل والإنتاج، حتى إذا تقدم به العمر تراجع حضوره في نظر الآخرين، وكأن سنوات عطائه الطويلة لم تعد تستحق الاعتبار.
والحقيقة أن الإنسان لا تنتهي قيمته بتقاعده، ولا تسقط حقوقه بضعف جسده، ولا يفقد مكانته حين يحتاج إلى مساعدة غيره؛ بل إن تقدم العمر ينبغي أن يكون سببًا لمزيد من التوقير والحماية، لا مدخلًا إلى التهميش أو الانتقاص من الإرادة والكرامة.
وقد سبقت شريعتنا الإسلامية إلى ترسيخ هذا المعنى العظيم، فقال الله تعالى: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾.
وتأمل كيف خصّ القرآن مرحلة الكبر بالذكر، مع أن الإحسان إلى الوالدين واجب في جميع مراحل حياتهما؛ لما قد يصاحب هذه المرحلة من حاجة إلى الصبر والرحمة والرعاية وحسن المعاملة.
من فضيلة البر إلى ضمانة النظام
إن من أبرز ملامح التطور التشريعي في المملكة العربية السعودية صدور نظام حقوق كبير السن ورعايته، بالمرسوم الملكي رقم (م/47) بتاريخ 3/6/1443هـ، وما أعقبه من صدور لائحته التنفيذية عام 2023م.
ولعل الدلالة الأولى التي تستوقف المتأمل في هذا التشريع تكمن في اسمه؛ إذ لم يقتصر على رعاية كبير السن، وإنما قدم الحقوق على الرعاية، في تأكيد أن كبير السن ليس مجرد متلقٍ للإحسان، بل صاحب حقوق شرعية ونظامية واجبة الاحترام والحماية.
وقد عرّف النظام كبير السن، في نطاق تطبيق أحكامه، بأنه كل مواطن بلغ الستين عامًا فأكثر، وقرر أن حقوقه تشمل حقوقه المالية والجسدية والاجتماعية والمعنوية.
وهذا التعريف الواسع يعكس فهمًا متكاملًا لاحتياجات الإنسان؛ فليس كل ضرر يقع على كبير السن ضررًا جسديًا، فقد يكون حرمانه من ماله، أو عزله عن محيطه، أو الانتقاص من كرامته، أو تجاهل إرادته، أشد وقعًا عليه من بعض صور الأذى الظاهر.

ولم يقف المنظم السعودي عند تقرير الحقوق في عبارات عامة؛ بل حدد مسؤوليات الأسرة والجهات المعنية، ووضع أحكامًا للإعالة والرعاية والحماية، وجاءت اللائحة التنفيذية لتفصيل ضوابط تطبيق تلك الأحكام وإجراءاتها.
الأسرة موطن الرعاية الأول.. لا مكان للعزلة والإقصاء
من الأحكام الجديرة بالتأمل ما قررته المادة الثالثة من النظام من حق كبير السن في العيش مع أسرته، وتحميلها مسؤولية إيوائه ورعايته، وفق ترتيب المسؤولية الذي حدده النظام.
فالأصل أن يبقى كبير السن في محيطه الأسري، بين أبنائه وأحفاده، محتفظًا بروابطه الاجتماعية وذكرياته ومكانته؛ لأن الرعاية لا تتحقق بتوفير المأكل والمسكن والدواء وحدها، وإنما تتحقق أيضًا بالشعور بالأمان والانتماء والمحبة.
ونظم النظام إعالة كبير السن المحتاج، وحدد ترتيب المسؤولية عنها، وأجاز تدخل المحكمة المختصة لتحديد العائل من أفراد الأسرة عند عدم الاتفاق أو عدم قيام أحدهم بالإعالة، مع مراعاة مصلحة كبير السن.
كما قررت المادة الرابعة ضمانة بالغة الأهمية، تتمثل في عدم جواز إيواء كبير السن في دور الرعاية الاجتماعية إلا بموافقته، أو بموجب حكم قضائي، أو في الحالات التي تشكل خطورة على حياته أو سلامته وفق الضوابط التي تحددها اللائحة.
وهنا تظهر فلسفة تشريعية تستحق الإشادة: فحماية الإنسان لا تعني إلغاء إرادته، ولا يجوز أن تتحول الرعاية إلى وسيلة لعزله عن أسرته ومجتمعه لمجرد أن وجوده أصبح عبئًا في نظر بعض المحيطين به.
أموال كبار السن ليست ميراثًا مبكرًا
ولعل من أخطر القضايا التي تستحق اهتمامًا قانونيًا ومجتمعيًا مسألة الاستغلال المالي لكبار السن.
فقد يملك الأب أو الأم مالًا جمعه خلال عقود من العمل والكفاح، ثم يجد نفسه مع تقدم العمر أمام من يحاول الاستحواذ على أمواله، أو الضغط عليه للتنازل عن ممتلكاته، أو التصرف في حساباته بحجة رعايته وإدارة شؤونه.
وقد عالج المنظم السعودي هذه المسألة صراحة؛ فحظرت المادة الخامسة عشرة على العائل التصرف في مال كبير السن دون موافقته، كما حظرت الإخلال عمدًا بحماية حقوق كبير السن المحتاج ورعايته، وإساءة التصرف عمدًا في ماله ممن أوكلت إليه سلطة التصرف.
وقرر النظام لهذه المخالفات، وللإخلال بأحكام المادة الثالثة، عقوبات قد تصل إلى السجن سنة والغرامة خمسمائة ألف ريال، أو بإحدى العقوبتين، وفق الأحكام والاستثناءات التي نص عليها، مع عدم الإخلال بتطبيق العقوبة الأشد إذا شكّل الفعل جريمة بموجب نظام آخر.
إن هذه الحماية تحمل رسالة واضحة: القرابة لا تمنح صاحبها حق الاستيلاء على أموال كبير السن، كما أن تولي الرعاية ليس تفويضًا مفتوحًا للتصرف في ممتلكاته.
ومن المهم هنا التأكيد على مسألة كثيرًا ما يقع الخلط فيها؛ وهي أن بلوغ الإنسان الستين أو السبعين أو الثمانين لا يعني بذاته فقدان أهليته أو حقه في اتخاذ قراراته. فالأهلية مسألة لها أحكامها وضماناتها النظامية، ولا يصح مصادرة إرادة كبير السن لمجرد تقدمه في العمر.
تجارب تشريعية تؤكد أهمية الحماية
وبالنظر إلى التشريعات المقارنة، نجد أن الاهتمام بحقوق كبار السن أصبح موضوعًا حاضرًا في عدد من الأنظمة العربية.
ففي مملكة البحرين صدر القانون رقم (58) لسنة 2009 بشأن حقوق المسنين، متضمنًا أحكامًا تتعلق بالحياة الكريمة والرعاية الأسرية والخدمات والحماية من الإهمال، وأعقبته لائحة تنفيذية تنظم جوانب من تطبيقه.
وفي دولة الإمارات العربية المتحدة صدر القانون الاتحادي رقم (9) لسنة 2019 بشأن حقوق كبار المواطنين، متناولًا حقوقهم في الاستقلالية والخصوصية والرعاية والحماية من الإساءة، إلى جانب الخدمات والامتيازات المقررة لهم.
كما أصدرت جمهورية مصر العربية القانون رقم (19) لسنة 2024 بشأن رعاية حقوق المسنين، في خطوة تعكس اتساع الاهتمام التشريعي بهذه الفئة.
ورغم اختلاف التفاصيل والآليات بين هذه التشريعات، فإن القاسم المشترك بينها هو الانتقال من مفهوم الرعاية التقليدية إلى بناء منظومة حقوقية تحمي كبير السن، وتحدد مسؤوليات الأسرة والمؤسسات والمجتمع تجاهه.
حقوق الإنسان لا تنتهي عند سن التقاعد
وعلى المستوى الدولي، أولت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان اهتمامًا متزايدًا بما قد يتعرض له كبار السن من تمييز وإقصاء وإهمال واستغلال، مؤكدة أهمية الاعتراف بهم بوصفهم أصحاب حقوق يتمتعون بالاستقلال والقدرة على المشاركة في المجتمع.
وقد اعتمد مجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة في أبريل 2025م قرارًا بالشروع في إعداد صك دولي ملزم بشأن حقوق كبار السن، لمعالجة الثغرات القائمة في الحماية الدولية؛ وهو مسار تشريعي دولي لا يزال في مرحلة الإعداد.
كما تؤكد مبادئ الأمم المتحدة المتعلقة بكبار السن خمسة مرتكزات رئيسة: الاستقلالية، والمشاركة، والرعاية، وتحقيق الذات، والكرامة.
وتبرز منظمة الصحة العالمية بدورها خطورة إساءة معاملة كبار السن، بما تتضمنه من صور جسدية ونفسية ومالية، فضلًا عن الإهمال، داعية إلى تعزيز الوقاية والتوعية والتدخل المؤسسي.
أما في المملكة، فتأتي جهود هيئة حقوق الإنسان، بالتكامل مع الجهات الحكومية ومؤسسات المجتمع المدني، ضمن منظومة وطنية تعنى بتعزيز حقوق كبار السن ونشر الوعي بها، وهو ما يؤكد أن هذه القضية ليست مسؤولية جهة واحدة، وإنما مسؤولية تتكامل فيها الأدوار.
جمعية ميزان القانونية.. نحو دور مجتمعي متخصص
وانطلاقًا من هذه المعاني، فإننا في جمعية ميزان القانونية نؤمن بأن حماية كبار السن تحتاج، إلى جانب الرعاية الصحية والاجتماعية، إلى مساندة قانونية متخصصة، تسهم في تعريفهم بحقوقهم، وتعينهم على فهم الأنظمة والإجراءات، وتساعد على حماية مصالحهم المالية والأسرية.
وقد أتاحت لنا مشاركتنا في ملتقى اليوم العالمي لكبار السن لعام 2026م، الذي نظمته جمعية قدوات بالمنطقة الشرقية، فرصة مهمة للتعرف على جهود الجمعيات المتخصصة، واستشراف مجالات التعاون والتكامل معها.
ونتطلع إلى أن تسهم جمعية ميزان القانونية، بالتعاون مع الجهات المختصة والجمعيات الشريكة، في نشر الثقافة القانونية المتعلقة بحقوق كبار السن، وتقديم ما يمكن من المساندة القانونية للمستفيدين، وفق اختصاصات الجمعية وإمكاناتها، مع إيلاء عناية خاصة بالتوعية بمخاطر الاستغلال المالي والإهمال، وحقوق الإعالة والرعاية، وسبل الوصول إلى الجهات المختصة عند وقوع الاعتداء على تلك الحقوق.
فالمطلوب ليس أن تعمل كل جمعية بمعزل عن الأخرى، وإنما أن تتكامل جهود الجمعيات الصحية والاجتماعية والقانونية، حتى يجد كبير السن منظومة متكاملة تصون كرامته وتحفظ حقوقه.
قبل أن نسأل: ماذا قدم لنا كبار السن؟
إن السؤال الأجدر بنا اليوم ليس: ماذا يستطيع كبير السن أن يقدم للمجتمع بعد تقاعده؟ بل: هل أحسنّا الوفاء لمن قدموا لنا أعمارهم، وحفظنا لهم المكانة التي يستحقونها؟
وإذا كنا نفخر اليوم بما تحقق لوطننا من تقدم وازدهار، فإن من تمام الوفاء ألا ننسى الجيل الذي حمل البدايات، وصنع الأساس، وغرس فينا القيم التي لا تزال تحفظ تماسك مجتمعنا.
إن كبير السن لا يحتاج إلى أن نشعره بأنه عبء نتحمله، بل إلى أن نؤكد له أنه قيمة نعتز بها، وخبرة نستفيد منها، وإنسان له إرادة وحقوق وكرامة لا تنتقص بمرور السنوات.
ولنتذكر أن الشباب مرحلة عابرة، وأن الشيخوخة، إن كتبها الله لنا، مستقبل ينتظرنا جميعًا؛ وما نؤسسه اليوم من احترام لحقوق كبار السن، إنما نؤسسه لأنفسنا ولأجيالنا من بعدنا.
فلا تجعلوا آخر مكافأة لجيلٍ بنى المجتمع أن يعيش على هامشه؛ بل اجعلوا شيخوخته مرحلة وفاء، وأمان، وكرامة.
حفظ الله كبار السن، وأدام عليهم الصحة والعافية، ورحم من رحل منهم، وحفظ بلادنا وولاة أمرنا، وأدام على وطننا أمنه واستقراره وازدهاره.

زر الذهاب إلى الأعلى