تخيّل أنك عدت إلى منزلك بعد سفر طويل.
بعد التحايا والترحيب، وضعت شيئًا على الطاولة، وقلت لعائلتك:
«أحضرته لكم من الدولة التي كنت فيها. لقد جربته، وهو لذيذ جدًا… جربوه».
كانت أظرف شاي.
لكنها ليست شايًا بالنعناع، ولا بالليمون، ولا بأي نكهة اعتدتم عليها.
إنها أظرف شاي بنكهة الكركم.
تمد يدك إليها وتشجعهم:
«صدقوني، جربته وكان لذيذًا».
ثم تضيف:
«لقد أحضرت معي الكثير منه، سأوزعه بينكم».
ينظرون إليها.
ولا تمتد يد إلى العلبة.
تحاول مرة أخرى:
«إنه مفيد أيضًا».
لكن حتى هذه المعلومة لا تغيّر شيئًا.
لا أحد يعترض، ولا أحد يقول إنه يكره الكركم.
فقط لا أحد يريد تجربته.
وبعد دقائق، ينتقل الحديث إلى أشياء أخرى.
يسألونك عن الطقس هناك، وعن الأسعار، وعن الأماكن التي زرتها، وما الذي أعجبك في الرحلة.
أما الشاي، فيبقى على الطاولة.
كأن الحديث عنه انتهى قبل أن يبدأ.
لماذا؟
ليس لأنهم يكرهون الكركم.
وليس لأنهم قرروا يومًا أنهم لن يحبوا الشاي بنكهة الكركم.
فقط لأن شيئًا ما فيه لا يبدو مألوفًا.
الشاي، في أذهانهم، له عالم من النكهات المعروفة.
وهنا يبدأ السؤال:
لماذا نرفض أحيانًا شيئًا لم نجربه؟
وكيف نجعل الإنسان يتذوق شيئًا لم يألفه؟
ليس بالقوة.
وليس بإخباره عشر مرات أنه لذيذ.
فحتى لو أقنعته بأن هذا الشاي مفيد، لن يعني ذلك أنه سيحبه.
وحتى لو أخبرته أن الجميع في الدولة التي اشتريته منها يشربونه، فلن يصبح فجأة جزءًا من ذائقته.
لأن الذائقة لا تتعامل مع الأشياء كما تتعامل معها المعلومات.
يمكنك أن تشرح للإنسان شيئًا حتى يعرف عنه كل شيء، دون أن تجعله يحبه.
فالذائقة الإنسانية لا تتكوّن دائمًا من القرارات الواعية.
نحن لا نستيقظ في صباح أحد الأيام ونقرر أن هذا الطعم جميل، وأن ذلك اللون أجمل، وأن هذه الرائحة هي التي نفضلها.
قبل أن نختار، تكون أشياء كثيرة قد سبقتنا.
شيء تذوقناه ونحن صغار.
شيء اعتدنا رؤيته في البيت.
رائحة ارتبطت بمكان نحبه.
تجربة صغيرة حدثت في وقت مبكر، ثم بقيت في الذاكرة دون أن ننتبه إليها.
ولهذا فإن تغيير الذائقة لا يبدأ بالضرورة من محاولة إقناع الإنسان.
أحيانًا يبدأ من جعله يألف الشيء أولًا.
وهنا نذهب إلى الطفل.
فالطفل ما يزال في بداية علاقته بالعالم.
أشياء كثيرة لم تصبح لديه بعد «غريبة» أو «مألوفة»، «جميلة» أو «قبيحة»، «لذيذة» أو «غير لذيذة».
إنه لا يعرف بعد أين يضع الأشياء.
ولهذا يمكن لشيء جديد أن يجد مكانه في عالمه بسهولة أكبر.
يتكرر أمامه.
يصبح مألوفًا.
وربما، مع الوقت، يصبح محبوبًا.
فهل يمكن أن يحدث هذا مع مجتمع كامل؟
هل يمكن لشيء لا ينتمي إلى ذائقة مجتمع ما أن يجد طريقه إليها؟
وهل يمكن أن تبدأ الحكاية كلها من محاولة صغيرة لا تبدو، في لحظتها، مرتبطة بتغيير الذائقة على الإطلاق؟
لعل أفضل طريقة للإجابة عن هذا السؤال هي أن نذهب إلى اليابان.
هناك، بدأت حكاية قهوة لم تكن جديدة تمامًا على المجتمع الياباني، لكنها لم تكن تحمل المكانة نفسها التي يحملها الشاي.
كانت القهوة موجودة في اليابان قبل وصول شركات القهوة العالمية بوقت طويل.
كان لها حضور في المقاهي منذ وقت مبكر، وتاريخ يمتد إلى القرن التاسع عشر.
لكن الشاي كان له مكانه الخاص في اليابان.
كان حاضرًا في الحياة اليومية، وفي البيت، وفي العائلة، وفي العادات والمناسبات.
لم يكن مجرد مشروب آخر يمكن وضعه إلى جانب القهوة.
وعندما أرادت شركة نستله توسيع سوق القهوة الفورية في اليابان، لم تكن تواجه مجتمعًا لا يعرف القهوة.
كانت تواجه شيئًا آخر…
مجتمعًا يعرف القهوة، لكنه لا يحمل معها العلاقة نفسها التي يحملها مع الشاي.
وهنا دخل إلى القصة رجل فرنسي اسمه كلوتير راباي (Clotaire Rapaille).
كان راباي مهتمًا بسؤال مختلف عن السؤال التقليدي في التسويق.
لم يكن يسأل الناس فقط:
«ماذا تحبون؟»
بل كان يحاول أن يعرف:
«لماذا تحبون ما تحبونه؟»
وما الذي يجعل شيئًا ما يترك أثرًا في الإنسان منذ سنواته الأولى؟
طوّر راباي مفهومًا أطلق عليه اسم «البصمة» (Imprint)، وهي فكرة يشرح من خلالها أن بعض الأشياء ترتبط في وقت مبكر من حياتنا بمشاعر وتجارب تجعلها مألوفة لنا لاحقًا، حتى لو لم نعد نتذكر اللحظة التي بدأت فيها هذه العلاقة.
وقد تناول راباي هذه الأفكار في كتابه The Culture Code .
وبحسب رواية راباي، عندما درس علاقة اليابانيين بالقهوة، وجد أن القهوة لا تمتلك لدى كثير منهم الذكريات المبكرة نفسها التي يمتلكها الشاي.
أي أن المستهلك الياباني، بحسب هذه الرواية، لم يكن لديه ارتباط عاطفي أو ذاكرة حسية مبكرة مع طعم القهوة يشبه ذلك الارتباط الموجود مع الشاي.
وهنا ظهرت الفكرة:
إذا لم تكن القهوة تملك ماضيًا في ذاكرتهم … فلماذا لا نصنع لها ماضيًا؟
بدل أن يبدأوا بمحاولة إقناع البالغين اليابانيين بأن يحبوا القهوة، اتجهت الاستراتيجية، بحسب رواية راباي، إلى الأطفال.
قدّمت نستله حلويات بنكهة القهوة وخالية من الكافيين، بحيث يتعرف الطفل على مذاق القهوة في تجربة مختلفة تمامًا عن شرب فنجان منها.
حلويات لذيذة جدًا وغير مُرّة.
لا حاجة إلى أن يقول أحد للطفل:
«يجب أن تحب القهوة».
فقط طعم جديد يأتيه في صورة يعرفها أصلًا ..
حلــوى .
لم يكن المطلوب أن يحب الطفل القهوة في تلك اللحظة.
كان المطلوب أن يصبح طعمها مألوفًا.
أن يدخل هذا الطعم إلى ذاكرته بطريقة مألوفة وممتعة.
أن يصبح، مع الوقت، أقل غرابة.
وبحسب رواية راباي، كان هذا جزءًا من الطريقة التي أرادت بها نستله أن تبني علاقة أطول مع القهوة في السوق اليابانية.
ماذا لو أن الذائقة لا تحتاج دائمًا إلى أن تُقنعنا، بقدر ما تحتاج إلى أن تصبح مألوفة لنا؟
ربما لهذا السبب لا نتذكر اللحظة التي بدأنا فيها نحب بعض الأشياء.
لا نعرف متى أصبح الشيء الذي كان غريبًا علينا مألوفًا.
ولا متى تحول المألوف إلى محبوب.
نصل فقط إلى لحظة متأخرة، فنقول:
«أنا أحب هذا».
وكأننا اخترناه وحدنا.
وربما هنا تكمن الحكاية كلها.
فالذائقة قد لا تتغير في اللحظة التي نقول فيها لأنفسنا إننا سنغيّرها.
قد تكون قد بدأت قبل ذلك بكثير.
في تجربة صغيرة.
في ذكرى عابرة.
في شيء تذوقناه مرة، ثم مرة أخرى.
حتى يأتي يوم لا يعود فيه غريبًا.
وعندها لا نحتاج إلى أن يُقنعنا أحد بأنه جميل.
لقد أصبح جزءًا من ذائقتنا بالفعل.
ماريا الخنيزي
