الحرب الأوكرانية من رهان الحرب الخاطفة إلى رهان هزيمة موسكو بقلم د . فاتن الدوسري

      لم يدر في خلد أكبر خبير عسكري أو سياسي في العالم احتمالية هزيمة روسيا في حربها ضد أوكرانيا حتى عامها الثالث، وما لبث أن تبدلت التوقعات والرهانات في عامها الرابع في واحدة من أكبر صدمات القرن الحادي والعشرين. عندما اجتاحت روسيا أوكرانيا في 2022، كان الوصف السائد لتلك الحرب ب”الحرب الخاطفة”، وكانت القيادة الروسية تظن ذلك أيضا بسبب فجوة القوة العسكرية التي لا تقارن بين روسيا وأوكرانيا.

        حققت موسكو انتصارات سريعة وقوية في بداية الحرب حيث استولت على غرب أوكرانيا حتى حدود كييف، لكن كانت أول مفاجأة قوية لروسيا هي المقاومة القوية من الجيش الأوكراني والمتطوعين والتي أسفرت تقهقر جزئي للقوات الروسية في بعض المناطق المحتلة خاصة “خيرسون” فضلا عن إنهاك القوات الروسية بصورة كبيرة ومعها قوات فاجنر التي انقلبت على موسكو بسبب ما تعرضت له من خسائر فادحة، ونقص من الدعم والذخيرة. وبفضل الدعم الغربي القوى لأوكرانيا نجحت القوات الأوكرانية من الصمود طويلاً بصورة أذهلت العالم وطرد القوات الروسية من بعض المناطق، مما أضطر موسكو إلى جلب جنود للمساندة من كوريا الشمالية.

سلاح المسيرات والاستنزاف العميق لموسكو

     في العام الرابع للحرب نجحت أوكرانيا بصورة مذهلة من قلب المجريات نسبيا لصالحها عبر سلاح المسيرات المعجزة واختراق العمق الروسي وقطاعاته الحيوية بيسر شديد خاصة القطاع النفطي، مما ووضع القيادة الروسية في موقف شديد الحرج، لأن الاستنزاف لم يعد عسكريا فقط، بل اقتصاديا أيضا. وإزاء ذلك، شرعت موسكو في خطة جديدة هي بمثابة استنزاف أعمق على حساب الاقتصاد المنهك، تتضمن رفع الحد الأقصى للإنتاج العسكري خاصة للمسيرات والصواريخ الاعتراضية، تحديث أساليب الرصد والمراقبة، التوسع في التجنيد الإلزامي، الاستعانة بجنود من الخارج خاصة كوريا الشمالية.

       الشاهد في الأمر أن مسيرات أوكرانيا اليومية ضد روسيا التي تهدد مرافق عسكرية حيوية لا سيما أساطيل موسكو العملاقة، في طريقها إلى تحقيق الرهان الغربي “الرئيس” منذ اندلاع الحرب لهزيمة موسكو، وهو استنزافها بصورة واسعة، مما يضطر بوتين إلى الانسحاب والتخفيف من مطالبه إلى أقصى حد، أو الاستسلام الكامل، نتيجة لضغوط وتذمر الداخل المتنامية شعبيا ونخبويا خاصة النخبة العسكرية.

        لأن البديل قد يكون استخدام النووي التكتيكي، أو التوسع المكاني للحرب عبر استهداف دول أوروبية إعلان الحرب رسميا على الناتو، وهو أيضا غير مقبول بنسبة كبيرة داخل دوائر الحكم في موسكو التي قد تنقلب على بوتين، لا سيما وأن قطاع عريض من الروس غير مقتنع بالحرب من الأساس، بل يعتبرون الأوكران تاريخيا “أولاد عمومة”.

الدروس والعبر

تعطينا الحرب الأوكرانية درساً كبيراً مفاده أسبقية العقل على العضلات، روسيا ثاني أكبر قوة عسكرية في العالم وتمتلك مقدرات عسكرية ساحقة لكن الانتصار في الحروب يعتمد على اكتشاف واستغلال نقاط الضعف والصبر والاستمرارية، فالاعتماد على غرور وغطرسة القوة الساحقة يؤدى إما لكوراث أو لهزيمة ساحقة في نهاية المطاف.

نعد الحرب الأوكرانية تحديداً نقطة التحول الرئيسة في قلب موازين القوة العسكرية؛ فنجاح أوكرانيا المبهر في استنزاف العملاق الروسي عبر سلاح المسيرات الرخيص قد كشف أن مسألة الكم العسكري والجيوسياسى التقليدي وتصنيف القوة العسكرية على هذا الأساس قد أنتهي زمنه. فقط أصبح المعيار القدرة على استخدام وتوظيف التكنولوجيا الحديثة، ومن ثم قد تصبح دولة صغيرة قوة عسكرية ساحقة بسبب أمتلاكها قدرات عسكرية ولوجستية تكنولوجية متطورة.

 

 

زر الذهاب إلى الأعلى