من يقود الآخر ؟ بقلم ماريا الخنيزي

عاد إلى بلاده بعد سنوات طويلة من الدراسة.

عاد وهو يحمل شهادة في التغذية، ويقينًا كاملًا بأن الطعام يمكن أن يكون وسيلة لبناء الإنسان، لا مجرد وسيلة لإشباعه.

قرر أن يفتح مشروع أحلامه .. مطعمًا ، لكنه لن يكون كالمطاعم التقليدية.

سيعد الطعام كما تعلم ودرس، بعناية تراعي حاجة الجسد، وتوازن مكوناته، وتجمع بين الفائدة والمتعة.

لم يكن يريد أن يفتح مطعمًا فحسب… بل كان يريد أن يصنع تجربة مختلفة مع الطعام.

استأجر محلًا في أحد الشوارع الحيوية، وبدأ يهيئه ليكون امتدادًا للفكرة التي آمن بها.

كل شيء كان محسوبًا.

كمية الزبدة في كل طبق.
نسبة السكر.
نوع الزيت.
توازن البروتين مع النشويات.
طريقة الطهي.
حتى حجم الوجبة لم يكن اعتباطيًا.

وكان يقول لمن حوله:

“أريد للناس أن يستمتعوا بالطعام، وأن يستفيد الجسد في الوقت نفسه.”

حتى المكان لم يكن يشبه المطاعم المعتادة.

ألوان هادئة.
إضاءة مريحة.
مقاعد تدعو إلى البقاء.
ورف صغير يحمل كتيبات قصيرة عن الغذاء، يستطيع الزائر أن يقرأها وهو ينتظر طلبه.

كان يؤمن أن المطعم ليس مكانًا للأكل فقط، بل مساحة صغيرة للتثقيف ايضاً .

لم يكن يبحث عن الزبائن فحسب…

كان يبحث عن إنسان يغادر وهو يعرف شيئًا جديدًا.

وحين افتتح المطعم، بدأت المفاجآت الجميلة.

الناس أحبوا الطعام.

قالوا إنه لذيذ.

وقال آخرون إنه خفيف على المعدة.

وكتب كثيرون تعليقات رائعة.

وصار للمكان زبائنه الأوفياء.

كان يبدو أن الحلم يسير كما خُطط له.

لكن الأرقام كانت تروي قصة أخرى.

بعد أشهر، دخل مسؤول الحسابات إلى المكتب، يحمل بين يديه ملفات كثيرة، ثم جلس بهدوء.

قال:

“لدينا مشكلة.”

رفع صاحب المطعم رأسه مستغربًا.

“لكن المطعم ممتلئ… والناس تمدحنا.”

ابتسم المحاسب ابتسامة يعرفها كل من يعمل بالأرقام.

ثم قال:

“الإعجاب شيء… والاستدامة شيء آخر.”

صمت قليلًا، ثم أكمل:

“نحن لا نخسر، لكننا لا نربح كما ينبغي. الإيرادات تكاد تساوي المصروفات. وإذا استمر الوضع هكذا، فسنظل ندور في المكان نفسه.”

سأله صاحب المطعم:

“إذا … هل نزيد التسويق؟”

قال المحاسب:

“يمكن… لكنه سيحتاج إلى ميزانية أكبر.”

ظل السؤال معلقًا في الغرفة.

ثم اقترح المحاسب:

“تحدث مع مختصين في التسويق.”

التقى ثلاثة من المسوقين.

استمعوا إليه، وتجولوا في المطعم، ثم خرجوا يتمشون في الشارع.

أشار أحدهم إلى المطعم المجاور.

قال:

“هل ترى هذا المطعم ؟ ”

“هذا المطعم سيُفتتح له فرع جديد قريبًا.”

ثم أشار إلى طوابير الناس أمامه.

“عدد زبائنه أضعاف زبائنك.”

سأله صاحب المطعم:

“لماذا؟”

قال:

“لأنه يقدم كل ما يشتهيه الناس.”

بيتزا.

برغر.

بطاطس.

حلويات.

مشروبات.

كل ما يبحث عنه الزبون يجده هناك.”

ظل صاحب المطعم صامتًا.

ثم قال بهدوء:

“لكنني لم أدرس سنوات طويلة لأبيع كل ما يريده الناس.”

ابتسم المسوق وقال:

“إذا أضف بعض الأصناف التي يحبونها.”

نظر إليه باستغراب.

“لكن هذا يخالف فلسفة المكان.”

رد المسوق ببساطة:

“تنازل قليلًا… تكسب كثيرًا.”

ساد الصمت.

ثم قال صاحب المطعم:

“وماذا أفعل بكل ما تعلمته؟”

“وماذا عن رؤيتي؟”

“وماذا عن الرسالة التي بنيت عليها هذا المشروع؟”

ابتسم المسوق ابتسامة الواثق، ثم قال جملة قصيرة:

“أنت تبيع طعامًا… لا أفكارًا.”

رد صاحب المطعم:

“بل أظن أنني أبيع الاثنين.”

قال المسوق:

“انزل إلى الشارع… واسأل الناس ماذا يريدون.”

أجابه:

“أنا لا أريد أن أنزل إلى مستوى ما يريد الناس.”

ثم توقف لحظة.

وأضاف بصوت هادئ:

“أريد أن يرتقوا هم إلى ما أؤمن به.”

فمن هو على صواب ، صاحب المطعم او المسوق ؟

 

ماريا الخنيزي

زر الذهاب إلى الأعلى