هل ترى؟ بقلم ماريا الخنيزي

لنتخيّل هذا المشهد.
أبٌ وأمّ وطفلهما الصغير يجلسون حول مائدة الإفطار.
الخبز على الطاولة.
كوب الحليب إلى جوار الطفل.
الأم منشغلة بإعداد الطعام، والأب يتحدث مع طفله عن شيء عابر.
صباح عادي.
ثم، فجأة، يرتفع الأب عن الأرض.
لا كرسي تحته.
لا سلّم.
لا شيء.
إنه يطير.
ينظر الطفل إليه.
ربما لا يصرخ.
ربما يقول ببساطة:
— أبي يطير!
لكن الأم، التي تسمع الطفل، تلتفت.
ترى زوجها معلقًا في الهواء.
ماذا سيحدث؟
هل ستصرخ؟
هل ستتراجع؟
هل ستتلعثم في الكلام؟
هل ستبحث بعينيها عن تفسير؟
هل ستقول: هذا مستحيل؟
ولماذا قد تكون دهشتها أكبر من دهشة طفلها؟
لأن الطفل لم يتعلم العالم كاملًا بعد.
أما هي فقد تعلمته.
تعلمت أن الإنسان يمشي على الأرض، وأن الأشياء تسقط، وأن الطيور تطير، وأن السماء فوقنا والأرض تحتنا.
تعلمت الكثير من القواعد حتى أصبحت القواعد غير مرئية.
وهنا ربما تبدأ الدهشة في الاختفاء.
ليس لأن العالم أصبح أقل غرابة.
بل لأننا أصبحنا أكثر اعتيادًا عليه.

هذا المشهد، المستوحى من فكرة يطرحها الكاتب النرويجي جوستاين غاردر في رواية «عالم صوفي»، يعد مدخلًا إلى سؤال يبدو بسيطًا:
ما الدهشة؟
هل هي أن ترى شيئًا لم تره من قبل؟
أم أن ترى شيئًا تعرفه جيدًا، ثم تراه فجأة كما لو أنك تراه للمرة الأولى؟
هل تحتاج الدهشة إلى شيء غريب؟
أم أن الغريب قد يفقد غرابته بمجرد أن نعتاده؟
ولماذا يندهش إنسان من شيء، بينما يقف إنسان آخر أمام الشيء نفسه ولا يحدث له شيء تقريبًا؟
هل الدهشة موجودة في الأشياء؟
أم فينا نحن؟

ربما نجد شخصًا سافر إلى فنلندا، وحين رأى الشفق القطبي للمرة الأولى عاد إلى صديقه وهو لا يكاد يتوقف عن الحديث عنه؛ يخبره كيف وقف طويلًا ينظر إلى السماء، وكيف شعر أن شيئًا غير مألوف يحدث فوق رأسه، وكيف لم يجد الكلمات التي تكفي لوصف ما رأى.
ثم يسافر الصديق نفسه إلى فنلندا، وينتظر الليلة التي يظهر فيها الشفق، ويراه فعلًا أمام عينيه، لكنه يقول بعد ذلك:
— جميل… لكنه عادي جدًا. لم أشعر بالدهشة التي كنت أتوقعها.
ثم يذهب شخص ثالث إلى المالديف، فيرى البحر مضيئًا في الظلام، فيشعر أن الماء نفسه تحوّل إلى سماء، بينما ينظر شخص آخر إلى المشهد ذاته ويقول:
— إنها مجرد ظاهرة طبيعية.
ويقف أحدهم على الشاطئ الأسود في أيسلندا فيتساءل كيف يمكن للرمل أن يكون بهذا اللون، بينما لا يرى فيه آخر إلا شاطئًا بلون مختلف.
ويسافر شخص إلى موسكو خصيصًا ليرى الثلج، فيقف أمام المدينة البيضاء وكأنه اكتشف الشتاء للمرة الأولى، في حين أن شخصًا عاش هناك سنوات قد ينظر من النافذة ويقول:
— إنها الثلوج المعتادة.
وفي تايلاند، قد يقف شخص تحت آلاف الفوانيس التي تصعد إلى السماء، فلا يعرف أين ينتهي الضوء وأين تبدأ النجوم، بينما قد يقف آخر وسط المشهد نفسه، يلتقط صورة، ثم يمضي وكأن شيئًا استثنائيًا لم يحدث.
وفي مدريد، قد يزور أحدهم منزل الفأر بيريز، فينبهر بالتفاصيل، ويرى المكان كأنه خرج من مسلسل كرتوني إلى العالم الحقيقي، بينما قد يراه شخص آخر مجرد مكان لا يستهويه نهائيًا.
فما الذي حدث بين هؤلاء جميعًا؟
المكان واحد.
المشهد واحد.
الظاهرة واحدة.
ومع ذلك خرج أحدهم من التجربة وفي داخله شيء لم يكن موجودًا قبلها، بينما خرج الآخر منها كما دخل.
فهل الدهشة موجودة في الشفق القطبي؟
أم في عين من ينظر إليه؟
وهل الثلج مدهش في ذاته، أم يصبح مدهشًا فقط بالنسبة إلى من لم يعتده؟
وهل يمكن لشيء أن يكون شديد الغرابة، ومع ذلك لا يثير فينا شيئًا؟

لماذا يقطع الإنسان آلاف الكيلومترات، ويدفع المال، ويتعب، وينتظر، فقط لكي يرى شيئًا لم يره من قبل؟
هل نبحث عن شعور لا تمنحنا إياه الأماكن التي اعتدناها؟
لكن ماذا لو سافرنا ولم يحدث شيء؟
ماذا لو وصلنا إلى المكان، ثم نظرنا إليه وقلنا:
إنه مكان عادي جدًا..

وهنا يظهر سؤال آخر.
هل نحن نبحث عن الدهشة فعلًا؟
أم نبحث عن المتعة، ونسمّي ما نشعر به دهشة؟
هل يمكن أن نصنع لأنفسنا دهشة مصطنعة لأننا نريد أن نستمتع باللحظة كما ينبغي لها أن تكون؟
وإذا كنا أمام منظر نادر، ألا نشعر أننا ينبغي أن نندهش؟
فهل الدهشة شعور يحدث لنا؟
أم شعور نتوقعه من أنفسنا أحيانًا؟

مثال عروض ألعاب الخفة.
نرى الذي يمسك ورقة، ثم تختفي.
يمسك عملة، ثم تظهر في مكان آخر.
يطلب من شخص اختيار بطاقة، ثم يعرفها.
نقول:
— كيف فعلها؟
لكن لماذا؟
لماذا ندفع المال لكي يدهشنا شخص أمام أعيننا؟
هل لأننا نحب أن نصل إلى لحظة لا نستطيع فيها أن نفسر ما رأيناه؟
ربما لا نذهب لكي نعرف كيف اختفت الورقة.
ربما نذهب لكي نعيش ثواني قليلة لا نعرف فيها كيف اختفت.
أي أننا لا نبحث عن الإجابة.
بل عن المسافة القصيرة التي تفصلنا عنها.
لكن ماذا لو أصبح كل شيء متوقعًا؟
ماذا لو جلس شخص أمام العرض وقال:
«لا أشعر أنني تفاعلت أو اتسعت عيناي بما رأيت نهائيًا.»

وليس الأمر مقتصرًا على الأشياء التي نراها.
أحيانًا تصل إلى الإنسان قصة غريبة جدًا؛ قصة حدثت لشخص، أو واقعة يصعب تصديقها، أو مصادفة تكاد تبدو كأنها كُتبت بعناية لا كأنها حدثت في الحياة.
شخص يسمعها فيتوقف عندها:
— معقول؟ هل حدث هذا فعلًا؟
ثم يبدأ في إعادة تفاصيلها، يسأل، ويتخيل، وربما يبقى يفكر فيها بعد أن تنتهي الحكاية.
وشخص آخر يسمع القصة نفسها، فيقول:
— كل شيء متوقع حدوثه في هذه الحياة.
ثم ينتقل إلى حديث آخر.
لا صدمة.
لا فضول.
لا سؤال.
لا رغبة في معرفة ما وراءها.
لماذا؟
هل لأن الأول أكثر خيالًا؟
أم لأن الثاني سمع من القصص ما يكفي حتى لم يعد شيء منها قادرًا على مفاجأته؟
أم أن المسألة أعمق من ذلك؟
ربما هناك أشخاص لا يندهشون بسهولة لأنهم بنوا داخلهم صورة واسعة جدًا عمّا يمكن أن يحدث؛ فلم يعد الواقع يملك مساحة كبيرة لمفاجأتهم.
لكن هل كثرة المعرفة تقتل الدهشة فعلًا؟
أم يمكن أن تفعل العكس؟
أن تجعلنا نرى في القصة الواحدة ما لم نكن قادرين على رؤيته من قبل ؟

وهنا ربما نقترب من الفن.
فليس كل اختلاف في الإعجاب اختلافًا في القدرة على الدهشة.
هناك الذائقة.
وهناك التجربة.
وهناك التراكم المعرفي والثقافي.
وهناك الأشياء التي قرأناها قبل العمل، والأشياء التي لم نقرأها.
ولهذا قد يقول شخص:
«شاهدت الفيلم قبل سنوات ولم أفهم لماذا أعجب الناس به.»
ثم يعيد مشاهدته بعد سنوات، بعدما قرأ عنه، وقرأ عن مخرجه، وفهم سياقه، واكتشف ما وراء مشاهده، فيقول:
«كيف لم أرَ هذا من قبل؟»
لكن الفيلم لم يتغير.
المشاهد هو الذي تغيّر.
فهل الدهشة يمكن أن تتأخر؟
هل يمكن لشيء أن يكون أمام أعيننا، ثم نحتاج إلى سنوات حتى نراه؟
وإذا كانت المعرفة تستطيع أن تجعل الشيء الذي لم يبهرنا بالأمس مدهشًا اليوم، فهل يعني ذلك أن الدهشة لا ترتبط بما نراه وحده، بل بما أصبحنا قادرين على رؤيته؟

وربما لهذا يصبح السؤال عن الدهشة أكثر تعقيدًا من مجرد سؤال عن الأشياء الجميلة أو الغريبة.
لأن هناك شخصًا قد يرى لوحة فلا تحرك فيه شيئًا.
ثم يقرأ عن تاريخها، وعن صاحبها، وعن الظروف التي رسمت فيها، وعن التفاصيل الصغيرة المختبئة فيها، فيعود إليها.
وفجأة يقول:
— كيف لم أنتبه لهذا من قبل؟
هل اللوحة أصبحت أفضل؟
أم أن العين أصبحت أعمق؟
وهناك من يسمع موسيقى للمرة الأولى فلا يفهم سبب إعجاب الآخرين بها.
ثم يسمعها بعد سنوات، في توقيت مختلف من حياته، فيتوقف.
نفس اللحن.
و نفس الإيقاع.
لكن الإنسان لم يعد هو الإنسان نفسه.
فهل يمكن أن تكون الدهشة أيضًا مرتبطة بالزمن؟
هل يمكن لشيء أن ينتظرنا حتى نصبح مستعدين لرؤيته؟

لكن ماذا عن الإنسان الذي لا يندهش؟
تخيل شخصًا أخذته إلى جزيرة سقطرى في اليمن التي تتميز بطبيعة فريدة وأشجار غريبة مثل شجرة «دم الأخوين» التي لا تظهر في أي مكان آخر على وجه الأرض.
لم يندهش.
إلى سالار دي أويوني في بوليفيا وهي أكبر صحراء ملحية في العالم، تتحول عند هطول الأمطار إلى مرآة عملاقة تعكس السماء بصفاء مذهل.
لم يندهش.
إلى بحيرة هيلير في أستراليا، وهي بحيرة فريدة تتميز بمياهها ذات اللون الوردي، وهي فريدة من نوعها، حيث لا توجد بحيرة في العالم بنفس لونها.
لم يندهش.

حتى القصص التي تجعل الآخرين يقولون:
— لا يمكن! كيف حدث هذا؟
تمر على مسامعه مرورًا عاديًا.
ثم يقول:
— لا شيء يدهشني.
لا شيء.
الجملة نفسها مخيفة قليلًا.

كيف يصل الإنسان إلى مرحلة يقول فيها إن لا شيء في هذه الحياة قادر على إثارة دهشته؟
ماذا حدث؟
هل رأى أكثر مما ينبغي؟
هل اعتاد أكثر مما ينبغي؟
هل خياله لم يعد يجد مكانًا للمفاجأة؟
أم أنه لم يعد ينتظر شيئًا من العالم؟
وهل نحن، عندما نلتقي شخصًا كهذا، نحاول أن نعيد إليه الدهشة؟
نقول له:
— تعال، سأريك شيئًا لم تره من قبل.
تأخذه إلى أراضي دانكسيا في الصين..
تتوقع منه أن ينبهر بما سوف يراه.. جبال أشبه بلوحة فنية من جمال الألوان، تتميز بتدرجات مذهلة تجمع بين الأحمر، البرتقالي، الأصفر، والأخضر.
تظن أنه سوف يلتقط العديد من الصور..
لكن.. أبدًا.
نعرض عليه قصة غريبة.
نسمعه موسيقى.
نريه صورة.
نخبره عن ظاهرة نادرة.
ثم نراقب وجهه.
ننتظر.
نريد أن نرى شيئًا في عينيه.
لماذا؟
لماذا يهمنا أن يندهش؟
هل لأننا نريد أن نشاركه شيئًا أدهشنا؟
أم لأننا نشعر أن رؤية الأشياء دون دهشة نوع من الخسارة؟
أم لأن الإنسان الذي لا يندهش يضعنا نحن أمام سؤال لا نحب مواجهته:
ماذا لو لم يعد في العالم شيء يكفي؟
هل الإنسان الذي يقول:
«لا شيء يدهشني»
قد فقد الدهشة فعلًا؟
أم أنه فقد الرغبة في السماح لها بالدخول؟
وهل الإنسان الذي يقول:
«كل شيء عادي»
يرى العالم كما هو؟
أم يرى فقط الصورة التي صنعها عنه؟
وهل الذي يندهش من كل شيء أكثر وعيًا؟
أم أقل معرفة؟
وهل الذي لا يندهش أكثر عمقًا؟
أم أكثر اعتيادًا؟

فما الدهشة؟
هل هي أن نرى ما لم نره؟
أم أن نرى ما اعتدنا عليه بطريقة لم نرها بها من قبل؟
هل هي شعور؟
أم سؤال؟
أم ارتباك؟
أم لحظة قصيرة نشعر فيها أن العالم خرج من القواعد التي وضعناها له؟
ولماذا نبحث عنها؟
هل لأن الحياة من دونها تصبح أكثر رتابة؟
أم لأننا من خلالها نشعر، ولو للحظة، أننا ما زلنا نرى؟

 

 

ماريا الخنيزي

زر الذهاب إلى الأعلى