الذكاء الاصطناعي: شريكٌ في التفكير لا بديلٌ للعقل بقلم خديجة غانم

الرياض – خديجة غانم

شكّل الذكاء الاصطناعي ثورةً في عالم التكنولوجيا الحديثة منذ ظهوره، وأثار جدلًا واسعًا حول مدى خطورته على الأفراد والمجتمع. غير أنّ هذا الجدل ليس وليد اللحظة؛ فكل تقنية جوهرية شهدها التاريخ البشري، بدءًا من الآلات الحديثة وصولًا إلى الإنترنت، واجهت موجاتٍ من التوجس والرفض، قبل أنْ تتلاشى تلك المخاوف وتتحول التقنية إلى جزءٍ أساسي من حياة الإنسان.

ويعتقد البعض أنّ استخدام الذكاء الاصطناعي في إنجاز المهام يمثّل تهميشًا للعقل البشري وتراجعًا لفضوله الفكري، بل إنّ إدماجه في حياتنا اليومية قد يصيب الفكر الإنساني بالضمور.

لكنّ الواقع الأقرب هو أنّ هذه التقنية تشبه “الآلة الكاتبة الذكية”، فهي مجرد أداةٍ تساعد العقل على طرح الأفكار من زوايا مختلفة وتسريع العصف الذهني، بينما يظل الإنسان هو الصانع والموجه الحقيقي للبوصلة.

ومع امتداد أثر الذكاء الاصطناعي إلى المجال الأدبي، أصبحنا أمام نصوصٍ وأشعارٍ تُحاكي المشاعر الإنسانية بدقةٍ تتضاءل معها القدرة على التمييز بين ما كتبه البشر وما أنتجته الخوارزميات.

وهنا تبرز المعضلة الأكبر: هل تتحول الكتابة إلى مخرجاتٍ آلية خالية من الروح؟ أم أنّ المبدع الحقيقي سيبقى قادرًا على تطويع الأدوات الحديثة لتزيد إبداعه عمقًا وتفردًا؟

وتجسيدًا لهذه الإشكالية، حضرتُ ورشة عمل بعنوان “توظيف الذكاء الاصطناعي في الإبداع الأدبي”، قدّمها الدكتور محمد لافي اللويش، أستاذ الأدب المقارن والدراسات الثقافية في جامعة الجوف، ونظمتها جمعية الأدب المهنية بالرياض.

وعلى مدى ثلاثة أيام، ناقشنا كيفية استخدام هذه التقنيات باعتبارها شريكًا في التفكير لا بديلًا عن الكاتب، وهنا يبرز الإبداع وتتنوع الأساليب اللغوية التي تميزه عن غيره.

ولتقريب المفاهيم النظرية إلى التطبيق الواقعي، قاد الدكتور اللويش تجربةً ملموسةً تضمّنت صياغة قصةٍ قصيرةٍ بمساعدة الذكاء الاصطناعي، انطلاقًا من الأفكار والرؤى التي طرحها الحضور طيلة أيام الورشة. وهذا ما عكس قدرة المبدع على إدارة أدواته بوعي، وتوجيهها دون إلغاء بصمته الشخصية.

وفي السياق ذاته، قمتُ بتجربةٍ عمليةٍ عبر صياغة الأوامر نفسها باللغتين العربية والفرنسية. وجاءت النتائج متباينةً نظرًا لوفرة البيانات التدريبية باللغة الفرنسية مقارنةً بالعربية، حسب ما أوضحه لي الدكتور اللويش.

أمّا الترجمة بين اللغتين، فقد أظهرت فجواتٍ لغوية واضحة نوعًا ما، إذ يقتصر الذكاء الاصطناعي على نقل الكلمات فقط، بينما يظل التذوق اللغوي وضبط النبرة رهينين بالتدخل البشري للمترجم والمحرر. وبناءً على ذلك، يحتاج الذكاء الاصطناعي إلى ترشيدٍ ومراجعةٍ مستمرين، لضمان حفاظ النص على روحه الأصلية عند التبديل بين العربية والفرنسية.

وبغض النظر عن اللغة المستخدمة، فإنّ الذكاء الاصطناعي ليس بديلًا عن الفكر الإنساني ولا منافسًا لقدراته، بل هو مرآة تعكس مدى تمكّن الإنسان من الابتكار وإبراز بصمته الإبداعية في الكتابة. ويبقى النجاح الحقيقي مرهونًا بقدرتنا على إدارته بحكمة، لنجعله خادمًا لطموحاتنا لا مهيمنًا على عقولنا.

زر الذهاب إلى الأعلى