خلال مشاركته في ندوة علمية بمركز الملك فيصل تركي الفيصل: الذكاء الاصطناعي نعمة تحتاج إلى ضوابط حتى لا تصبح نقمة

 

أكد صاحب السمو الملكي الأمير تركي الفيصل، رئيس مجلس إدارة مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، أن الذكاء الاصطناعي نعمة بما يتيحه من إمكانات واسعة في مجالات المعرفة المختلفة، مشددًا على أهمية وضع الضوابط التي تحكم استخدامه حتى لا يتحول إلى نقمة، ومحذرًا من الإفراط في التعامل معه بما قد يجعل الإنسان أسيرًا لهذا “الساحر المبهر”، على حد تعبير سموه.
وأكد سموه أهمية الضوابط المنظمة لاستخدام الذكاء الاصطناعي، مشيرًا إلى ما وضعته المملكة من ضوابط في هذا المجال، وإلى الاهتمام الدولي بوضع معايير تحكم استخدام هذه التقنية، لضمان الاستفادة من إمكاناتها والحد من محذوراتها، داعيًا مستخدمي الذكاء الاصطناعي وغير مستخدميه إلى الحرص والوعي بما يقدمون عليه.
جاء ذلك في مداخلة لسموه في ندوة علمية بعنوان: «الطب والأدب بين الإبداع البشري والذكاء الاصطناعي»، نظمها مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، وجائزة الملك فيصل ضمن البرنامج الثقافي، يوم الثلاثاء 12 ربيع الأول 1448هـ (25 أغسطس 2026م)، بقاعة الأميرة سارة الفيصل الثقافية بالمركز، بمشاركة الدكتورة شروق السنان، مديرة مركز الذكاء الاصطناعي بجامعة الأميرة نورة بنت عبدالرحمن، والأستاذ الدكتور عبد الرحمن المحسني، أستاذ الأدب والنقد بجامعة الملك خالد، والدكتورة الهنوف الدباسي، المديرة التنفيذية لحقوق المؤلف والتصاميم في الهيئة السعودية للملكية الفكرية، وأدار الندوة الأستاذ الدكتور عمر السيف، أستاذ اللغة العربية بجامعة الفيصل.
وفي تقديمه للندوة، أشار الأستاذ الدكتور عمر السيف إلى أن الذكاء الاصطناعي يمثل تحولًا نحو عصر جديد سيغير طرق التفكير والتعلم والعمل، ويدخل في مختلف التخصصات ومجالات الحياة، بما يحمله من إمكانات واسعة ومخاوف تستدعي الانتباه. كما تناول العلاقة القديمة بين الطب والأدب، موضحًا أن التعاطف يمثل أحد أوجه التقاطع بين المجالين، وأن الأدب يسهم في تعزيز البعد الإنساني لدى الطبيب، بما يجعله ينظر إلى المريض بوصفه حالة إنسانية لا مجرد حالة مرضية.
وتناولت الدكتورة شروق السنان التحولات التي أحدثها الذكاء الاصطناعي في المجال الطبي، موضحة أنه لم يعد تقنية مستقبلية، بل أصبح واقعًا حاضرًا في منظومة الرعاية الصحية، بعد أن انتقل من نماذج تؤدي مهام محددة إلى أنظمة متعددة المهام تتكامل مع الأنظمة الصحية والرعاية المقدمة للمرضى والعمليات التشغيلية في المستشفيات، مؤكدة أن الذكاء الاصطناعي ليس بديلًا عن الطبيب، وإنما حليف له في أداء مهامه واتخاذ القرار.
وأكدت أهمية الموثوقية والجوانب الأخلاقية عند استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي في الطب، وضرورة ألا يقتصر تقييمها على دقة النتائج، بل يمتد إلى عدالتها وقابليتها للتفسير، وإشراك المختصين الصحيين منذ المراحل الأولى لبناء النماذج، مع بقاء المسؤولية في النهاية على الطبيب. كما أشارت إلى الخطوات التي قطعتها المملكة في توطين تقنيات الذكاء الاصطناعي وبناء نماذج وطنية تحافظ على البيانات وتدعم احتياجات المجتمع.
من جانبه، تناول الأستاذ الدكتور عبد الرحمن المحسني أثر الذكاء الاصطناعي في الأدب والإبداع، مبينًا أن قدراته وصلت إلى إنتاج نصوص شعرية وسردية ونقدية، بما يثير أسئلة جديدة حول هوية النص والمبدع والتمييز بين الإنتاج البشري والإنتاج الآلي. ودعا المؤسسات الثقافية والأكاديمية إلى تجاوز مرحلة طرح الأسئلة إلى تطوير إستراتيجياتها في البحث العلمي والجوائز، والتعامل مع صور متعددة للنصوص تشمل النص البشري والمولد آليًّا والمشترك بين الإنسان والآلة.
وأشار إلى ما يمكن أن يتيحه الذكاء الاصطناعي للبحث العلمي والنقد الأدبي من إمكانات، ومن بينها تحليل النصوص وفق مناهج مختلفة والمساعدة في تحقيق المخطوطات وإجراء المراجعات العلمية، مؤكدًا ضرورة تغيير المؤسسات والجامعات لإستراتيجياتها البحثية بما يتلاءم مع سرعة التطور التقني.
وتطرقت الدكتورة الهنوف الدباسي إلى ما أحدثه الذكاء الاصطناعي من تحديات في مفهوم الملكية الفكرية وحقوق المؤلف، موضحة أن تحديد الحماية يرتبط بحجم المساهمة البشرية في العمل؛ فكلما ظهرت مساهمة المؤلف وهويته ولمسته الشخصية بصورة أكبر، أمكن النظر إلى العمل بوصفه نتاجًا بشريًّا يستحق الحماية، في حين لا تحظىالأعمال التي ينتجها الذكاء الاصطناعي بصورة مستقلة بالحماية ذاتها.
وبينت أن الاستخدام المشروع للذكاء الاصطناعي يقوم على الاستفادة منه أداةً مساعدة دون انتهاك حقوق الآخرين، وأن المسؤولية عن الانتهاكات قد تقع على المستخدم إذا تعمد توجيه الأداة إلى الاعتداء على حقوق الملكية الفكرية، كما قد تقع على المطور أو الشركة في حال عدم وضع الضوابط اللازمة لحماية هذه الحقوق أو استخدام أعمال محمية دون الحصول على الموافقات اللازمة.
وشهدت الندوة عددًا من المداخلات التي ناقشت أثر الذكاء الاصطناعي في الممارسة الطبية والإبداع والبحث العلمي والملكية الفكرية، وأهمية الحفاظ على الجانب الإنساني في علاقة الطبيب بالمريض، وأخطار الاعتماد المفرط على التقنية وما قد يترتب عليه من تراجع بعض المهارات أو فقدان الشغف، إلى جانب مسؤولية الإنسان عن الاستخدام الواعي والآمن لهذه الأدوات.
وخلصت المناقشات إلى أن حضور الذكاء الاصطناعي أصبح واقعًا لا يمكن تجاهله في الطب والأدب وغيرهما من المجالات، وأن التحدي لم يعد في قبول وجوده أو رفضه، بقدر ما يتمثل في كيفية توظيفه بصورة مسؤولة تحافظ على الإبداع البشري والحقوق الفكرية والقيم المهنية والإنسانية، وتجعله أداة تعزز قدرات الإنسان دون أن تحل محله.

زر الذهاب إلى الأعلى