المسقي التاريخية.. حين يحكي الحجر ذاكرة المكان بقلم / صالحه آل بيهان القحطاني

الجزء الاول ؛
من الماء إلى الحجر.. حكاية قرية صنعتها الحياة

زرتُ قرية المسقي مرات عدة، وفي كل زيارة كنت أشعر أن للمكان قدرة غريبة على استدعاء المشاعر قبل المعلومات، كنت أقف أمام بيوتها القديمة، أتأمل حجارتها وأبوابها وممراتها وأشعر أنني أمام مكان لا يريد أن يُرى فقط بل يريد أن يُفهم.

كان في المسقي شيء من الحنين لا أعرف مصدره وألفة لا أعرف كيف نشأت، كنت أصور تفاصيلها في كل زيارة لكن الصور كانت تمنحني شكل المكان ولا تمنحني حكايته كنت أتساءل:
من عاش هنا؟ كيف كانت أيامهم؟ وكيف تحولت هذه الحجارة إلى ذاكرة لمجتمع كامل؟

ظللت أبحث عن حكايتها، حتى جاءتني الإجابة من حيث لم أكن أتوقع؛ حين أرسل إليّ الأستاذ فيصل بدوي لقاء موسوعة كيوبيديا العالمية مع الأستاذ أحمد بن عبدالرحمن العريسي، المرشد السياحي والموثق لقرية المسقي التراثية.

استمعت إلى اللقاء، فإذا بما كنت أشعر به في المسقي يجد تفسيره؛ الحجر الذي كنت أتأمله صار له صوت والممرات التي صورتها صار لها تاريخ والقرية التي أحببتها بعيني بدأت أعرفها بقلبها وحكايات أهلها.

ومن هنا بدأت فكرة الكتابة.

والفضل بعد الله يعود إلى الأستاذ فيصل بدوي الذي أشار عليّ بالكتابة عنها وأرسل إليّ هذه المادة، وإلى الأستاذ جلعود بن دخيل، المشرف العام على موسوعة كيوبيديا العالمية، الذي أجرى اللقاء مع الأستاذ أحمد العريسي .

اجتمعت لديّ الصور، والشغف، والرواية؛ فاجتمعت الصورة بالمعلومة وبدأت الحكاية.

* المسقي.. قرية موغلة في التاريخ

تقع المسقي جنوب مدينة أبها بنحو 32 إلى 33 كيلومترًا، في مركز الشعف، وتحيط بها الجبال والأودية والمزارع وارتبطت عبر تاريخها بالزراعة والتجارة وطرق القوافل وتذكر الروايات والمصادر التاريخية عمقًا زمنيًا كبيرًا للقرية، كما ورد اسمها في روايات تتصل بعنز بن وائل وذكرها الهمداني بوصفها قرية كبيرة ذات جامع.

وسُمّيت المسقي بهذا الاسم، كما تروي المصادر المحلية، لوفرة مياهها وغزارتها وكثرة سقيها وهو ما ينسجم مع طبيعة القرية التي قامت حياتها على الماء والزراعة فكان الماء سببًا في استقرارها وازدهارها وملمحًا أساسيًا من ملامح هويتها.

لم تكن المسقي مجرد مكان للسكن بل محطة تتقاطع فيها طرق الناس والتجارة والأخبار.

* الماء.. أساس الحياة

كان الماء أحد أهم أسباب استقرار المسقي وازدهارها فالآبار والمجاري المائية والأودية وفرت لأهلها احتياجاتهم، وأحاطت المزارع بالقرية من جهاتها.

ويذكر الأستاذ أحمد أن القرية عرفت عددًا من الآبار المحفورة يدويًا والمبنية بالحجر.

ومن الماء جاءت الزراعة ومنها عرف الأهالي مواسم الأرض ومواعيد الزرع والحصاد واستدلوا بالنجوم والشمس والمطر على مواقيت العمل.
وكانت الأهازيج ترافق بعض الأعمال الزراعية، فتحول العمل الجماعي إلى جزء من الحياة الاجتماعية.

* حين أصبح الحجر بيتًا وحصنًا

تتميز المسقي ببيوتها المتلاصقة، وممراتها وأنفاقها وأبراجها وقصباتها، وهو نمط عمراني لم يكن للزينة وحدها بل منح القرية قدرًا من الحماية والتحصين.

وكان البناء يعتمد على الحجر والطين وفق خبرة متوارثة تُختار الحجارة بحسب مواضعها، ويُعد الطين بخلطه بالتبن ودعكه حتى يصبح صالحًا للبناء، ثم ترتفع الجدران مدماكًا بعد آخر.

وتتخلل القرية ممرات مسقوفة تعرف محليًا باسم «الشداخة»، تتسلل داخلها عرضًا وطولًا، ويُذكر أن عددها 21 شداخة، ومن أشهرها شداخة بعرور التي يبلغ طولها الإجمالي نحو 398 مترًا.

كما تكشف بعض الفتحات في المباني عن معرفة الأهالي بحركة الشمس والنجوم، واستخدامها للاستدلال على المواسم ومواعيد الزراعة.

وتتشابه بعض خصائص هذا العمران مع قرية آل ينفع، التي ربطتها بالمسقي علاقات اجتماعية وعمرانية وتعليمية بما يعكس التواصل بين القرى المحيطة.

* جامع المسقي.. قلب القرية

يقف جامع المسقي التاريخي في قلب القرية، وترتبط الروايات والمصادر بتاريخ مبكر لبنائه، وقد مر بعدة مراحل من الترميم قبل أن يعاد تأهيله ضمن المرحلة الثانية من مشروع الأمير محمد بن سلمان لتطوير المساجد التاريخية.

وعاد الجامع اليوم إلى أداء دوره ، واستعاد حضوره في حياة القرية.
ولم يكن الجامع مكانًا للعبادة فقط؛ فمئذنته كانت وسيلة لإعلان الأخبار والنداءات كما ارتبطت بركته وبئره بمنظومة المياه في القرية.

وكشفت أعمال الترميم عن معالم مائية وحجرية قديمة، من مجارٍ وبرك وغيرها من الشواهد التي تحتاج إلى مزيد من الدراسة والتوثيق.

وعرفت المسقي إلى جانب الجامع مساجد أخرى، منها مسجد شاهر «المسجد الأعلى» الذي يذكر أنه بني سنة 815هـ، والمسجد الأسفل الواقع شمال شرق القرية.

وكانت المساجد والبيوت كذلك مواضع للتعليم الأول؛ فمن الكتاتيب تعلم أبناء المسقي القرآن والقراءة والكتابة قبل أن يأتي التعليم النظامي في العهد السعودي ويفتح لهم أبوابًا أوسع.

* من الحجر تبدأ الحكاية.. ومن الإنسان تكتمل

هكذا تبدو المسقي من الخارج ، بيوت من حجر وطين وممرات وأبراج ومساجد عتيقة ومزارع تحيط بالمكان.

لكن خلف هذا كله مجتمع كامل لم نتحدث عنه بعد؛ مجتمع كانت أسواقه تحمل الأخبار وتجارته تصل إلى المناطق البعيدة، وضيوفه يتوزعون على البيوت، وأعراسه وألعابه وأهازيجه تصنع ذاكرة المكان.

مجتمع عرف أعرافًا تنظم حياته، وشخصيات تحملت مسؤولية القرية وتجارًا كان لهم حضور في المنطقة، وأناسًا واجهوا سنوات القحط بالتعاون وحافظوا على الماء والزراعة والمراعي.

فالحجر يحكي كيف بُنيت المسقي، أما الإنسان فيحكي لماذا بقيت.

يتبع في الجزء الثاني:

المسقي.. حين كانت القرية مجتمعًا كاملًا

زر الذهاب إلى الأعلى