في السابع من أغسطس وبصورة مفاجأة تم الإعلان عن اتفاقية مكة للدفاع المشترك بين السعودية وباكستان وتركيا، وهى تحالف عسكري على رفيع المستوى باقراها على مسالة الدفاع الجماعي أسوة بالناتو، إذ وفقا للاتفاقية إن أية اعتداء مسلح على أحد دول الاتفاقية هو بمثابة اعتداء على الدول الثلاثة مما يستوجب الدفاع والتدخل المباشر.
تعد الاتفاقية من أهم وأخطر التطورات في المنطقة منذ عقود لأنها مخاض انعكاسات وتحولات كبرى في النظامين العالمي والإقليمي، وليست استجابة فقط للحرب الإيرانية، وإن كانت المحفز الرئيس لها.
تنخرط القوى الثلاثة في التحالف وكل قوى لها مصالحها وحساباتها الخاصة، وتتلاقى مصالح القوى الثلاثة في هدف توازن وردع الجموح الإيراني الإسرائيلي المتصاعد في المنطقة على إثر المتغير الإقليمي الأكبر وهو اهتزاز القوة الأمريكية كضامن للحماية والاستقرار في المنطقة.
لا جدال بإن الضربات الأمريكية الإسرائيلية العنيفة الممتدة منذ شهور على إيران قد قوضت قدراتها العسكرية وأنهكتها اقتصاديا وداخليا بصورة كبيرة؛ بيد أن إيران استراتيجيا لا تزال صامدة وتمتلك من أوراق الضغط الكثيرة لا سيما مضيق هرمز وتهديد أمن دول مجلس التعاون والمليشيات التي تجعلها قادرة على خلط الأوراق وقلب الطاولة في أي لحظة، فضلا عن أن فكرة التدخل الأمريكي البري لإسقاط النظام غدت مستحيلة، بل فكرة استمرار ترامب فى الحرب في ظل ما يواجه من ضغوط داخلية غدت أيضا غير واردة على نحو كبير.
وهو ما يؤشر في أفضل الأحوال على اتفاق أمريكي إيراني لإنهاء الحرب سقف طموحه إيقاف طهران برنامجها النووي لمدة عقد، مما يعنى عدم المساس بأذرعها وصواريخها الباليستية وهيمنتها على مضيق هرمز. وبالنسبة لقوى التحالف الثلاثي هو بمثابة إقرار على هيمنة إيرانية متوحشة في المنطقة تستوجب الردع والتوازن في ظل فراغ أكبر متوقع إثر التراجع المستمر للحضور الأمريكي المتوجه بالتركيز الاستراتيجي الكامل صوب نصف الكرة الغربي والباسيفيك.
على الجانب الآخر يتبدى بجلاء الأجندة التوسعية لإسرائيل في المنطقة منذ طوفان الأقصى، فطموحات السيطرة في سوريا جنوب لبنان، وابتلاع غزة كمقدمة للضفة الغربية لا تخطئها العين، مع غطرسة ممتدة في المنطقة كلها وصولا لمنطقة الخليج بذريعة تقويض إيران وأذرعها. وبالتالي غدى الكيان تهديد خطير ليس فقط لنفوذ القوى الإقليمية الكبرى في المنطقة بل لأمنها أيضا. مع الوضع في الاعتبار أيضا أن إسرائيل لن ترضى بأي صفقة أمريكية مع إيران، فإسقاط نظام الأخيرة خيار لا بديل عنه لإسرائيل، وهو ما سيدفع حافة استقرار المنطقة خاصة الخليج إلى حافة الهاوية أجلا أم عاجلاً، يستوجب استباقه بكل حزم.
ما يشهده العالم من تغيرات دراماتيكية منذ الحرب الأوكرانية غدى يستوجب تكاتف وتحالفات، فالحرب الأوكرانية وسعت هوة الاستقطابات الدولية، معسكر شرقي بقيادة الصين داعم لروسيا، ومعسكر غربي “منقسم” داعم لأوكرانيا. ووسط ذلك بات قوى تتمتع باستقلالية والحياد لا سيما السعودية ملزمة بالانحياز ولو ضمنياً لمعسكر ما، وهو ما يقوض مصالحها وامنها واستقلالية قرارها الخارجي. ومن ثم، يمثل التحالف الثلاثي قوة قوية مستقلة ذات مصالح ورؤى مشتركة ضد التجاذبات العنيفة المرتقبة في النظام الدولي.
على نحو مواز، يشهد العالم أيضا تغيرات دراماتيكية على مستوى أنماط وأدوات الحروب، والتكنولوجيا، يفوق قدرة قوى واحدة على مواكبتها، كما يستوجب أيضا التعاون الوثيق في ظل أهداف ورؤى مشتركة، وهو ما يلبه التحالف من تعزيز للتصنيع والتعاون العسكري التكنولوجي المشترك، ومواجهة الجماعات الإرهابية والمليشيات غير النظامية.
في الختام، لا يمثل التحالف قوة عسكرية “سنية” في مواجهة أحد–كما صرح قادة التحالف– وهم صادقون. فالتحالف المرجح توسعه بأعضاء جدد خاصة مصر والكويت، هو خطوة استباقية تقضيها تغيرات الواقع والمستقبل الدولية والإقليمية. فزمن التعويل التام على واشنطن لحماية أمن الخليج وضمان استقراها قد انتهى تقريبا، فراغ واسع في المنطقة يلوح في الأفق لا سيما في ضوء تردد الصين على ملئه، قوى إقليمية قادرة على زعزعة الاستقرار عبر أدوات كثيرة، وقوى أخرى تعربد من منطلق غطرسة القوى.
التحالف بمضمون الأمن الجماعي يمثل حماية للسعودية، وقوة ودور الأخيرة الإقليمي تعزيز لدور ومصالح تركيا الطموحة في المنطقة، وتحالف القوتين مع باكستان يعزز من قوتها الاقتصادية والعسكرية، ويقوض من خصمها اللدود الهند المنخرط في شراكة عميقة مع إسرائيل.
